الإشاعاتُ حول التطبيع لن تُنقذ نتنياهو ولاكيانه، فحبلُ النجاة هو إنهاءُ الاحتلال

2026-09-27 08:48:47

حين وقّعت الإمارات وإسرائيل اتفاق التطبيع في أغسطس/آب 2020، ثم البحرين في سبتمبر/أيلول، والسودان في أكتوبر/تشرين الأول، والمغرب في ديسمبر/كانون الأول، كانت إسرائيل تتجه نحو انتخابات مارس/آذار 2021، وكان بنيامين نتنياهو يدرك أن هذه الاتفاقات يمكن أن تتحول إلى رصيد انتخابي، فقدمها بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا يضاف إلى سجله، في وقت كان فيه بحاجة إلى ما يعزز صورته أمام الناخب الإسرائيلي.

ولم يكتفِ نتنياهو بالإنجاز نفسه، بل حاول تحويله إلى مشهد انتخابي، ففي مارس/آذار 2021 سعى إلى زيارة أبوظبي واللقاء بمحمد بن زايد، في خطوة كان يمكن أن تمنحه صورة انتخابية قوية عن علاقاته العربية، لكن الزيارة لم تتم في ذلك التوقيت، بعدما أوقفت الإمارات مساعي عقد القمة، وكان واضحًا أن تحويل العلاقات الجديدة إلى مادة انتخابية لم يكن تفصيلًا هامشيًا في حساباته.

وهنا يتضح معنى حبل النجاة: فالتطبيع لم ينقذ نتنياهو من فقدان القدرة على تشكيل الحكومة بعد انتخابات مارس/آذار 2021؛ حصل الليكود على 30 مقعدًا، لكنه لم يتمكن من تشكيل ائتلاف، وانتهى الأمر إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، لكن التطبيع منحه قبل الانتخابات ورقة إنجاز خارجية استطاع استخدامها في معركته الداخلية، فحبل النجاة هنا لا يعني أنه ضمن له الحكم، وإنما أنه وفر له رصيدًا سياسيًا قابلًا للتوظيف الانتخابي.

وهذا جزء من نمط أوسع في سلوك نتنياهو السياسي: عندما تضيق مساحة الإنجازات الداخلية، يبحث عن إنجاز خارجي يستطيع تقديمه للناخب الإسرائيلي بوصفه دليلًا على قوة إسرائيل ومكانته الشخصية، مرة يأتي الإنجاز من الحرب والأمن، ومرة من التوسع الاستيطاني، ومرة من العلاقات الدولية، ومرة من توسيع دائرة التطبيع، وفي كل مرة يتحول الحدث الخارجي إلى مادة للاستهلاك السياسي الداخلي.

لكن المشهد في 2026 ليس هو مشهد 2020، فالعدوان على غزة وما رافقه من دمار هائل، إلى جانب تصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، جعلا كلفة هذا المسار أكثر حضورًا، ولم يعد من السهل التعامل مع كل إنجاز خارجي بالفاعلية السياسية نفسها، بل إن الحرب نفسها لم تمنح نتنياهو بالضرورة المكسب السياسي الذي كان يمكن أن يتوقعه؛ فقد أظهرت استطلاعات وتقارير سياسية إسرائيلية خلال 2026 استمرار الانقسام الانتخابي، رغم محاولة توظيف الملف الأمني والحرب سياسيًا.

وفي هذا السياق جاء التطور المغربي الأخير، فقد اتفقت إسرائيل والمغرب في 16 سبتمبر/أيلول 2026 على رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارتين وتعيين سفيرين، في خطوة تعمق مسار التطبيع الذي بدأ بين البلدين عام 2020، وهنا تكمن أهميتها بالنسبة إلى نتنياهو: يستطيع تقديم هذا التوسع في العلاقات العربية الإسرائيلية باعتباره إنجازًا جديدًا يضاف إلى سجله، بغض النظر عن دوافع المغرب أو حساباته الخاصة، فالمغرب يبحث بهذه الخطوة عن مصالحه الخاصة، بالأخص ما يتعلق بالصحراء الغربية.

والأكثر دلالة هو ما يحدث على مستوى الأخبار والتوقعات، ففي 15 سبتمبر/أيلول قال السفير الإسرائيلي لدى الإمارات يوسي شِلي إن دولة أخرى، وربما الكويت، قد تنضم إلى اتفاقات أبراهام خلال أربعة إلى ستة أشهر، وهذا تصريح إسرائيلي عن احتمال مستقبلي، وليس إعلانًا كويتيًا عن التطبيع، فالكويت تعلن ليل نهار أن قضية فلسطين هي قضية الكويت، والفارق مهم؛ لأن مجرد تداول إشاعة احتمال انضمام دولة عربية جديدة يضع توسيع دائرة التطبيع في واجهة النقاش السياسي الإسرائيلي، حتى قبل أن تتحول الإشاعة إلى اتفاق.

والأمر نفسه ينطبق على السعودية، فالموقف السعودي المعلن ظل يربط السلام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع تأكيده على إنهاء الاحتلال ومواجهة الاستيطان والضم، ولذلك تبقى التقارير عن المساعي الإسرائيلية أو الأميركية في إطارها السياسي، بينما لا يوجد اتفاق تطبيع سعودي منجز، لكن بقاء احتمال التطبيع السعودي حاضرًا في المشهد يمنح نتنياهو مادة سياسية يمكنه توظيفها.

وهنا ربما تكمن الحيلة الأهم: يستطيع نتنياهو أن يربح في الحالتين، فإذا تحقق تطبيع جديد، سيقدمه بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا يضاف إلى سجله، وإذا لم يتحقق، وبقي في حدود التسريبات والتوقعات والأحاديث عن دولة قد تنضم لاحقًا، فإن توسيع دائرة التطبيع يظل حاضرًا في الإعلام والسياسة الإسرائيلية بوصفه مشروعًا يتحرك في عهده، أي أن التطبيع يمكن أن يكون مكسبًا إذا تحقق، وإشاعة التطبيع يمكن أن تؤدي وظيفة سياسية حتى قبل تحققه.

وهذا يفسر أهمية التمييز بين الاتفاق نفسه وبين المناخ الذي يحيط به، فالأخبار عن لقاءات واتصالات واحتمالات انضمام دول جديدة ليست كلها اتفاقات، لكن نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى اتفاق مكتمل كي ينتج منها صورة سياسية، يكفي أحيانًا أن يظهر مسار التطبيع وكأنه يتقدم، وأن تُطرح أسماء دول جديدة، وأن تبقى احتمالات التوسع مفتوحة، حتى يصبح ذلك جزءًا من رواية انتخابية عن رئيس يوسع علاقات إسرائيل في المنطقة، خاصة وأن إسرائيل تعاني من عزلة غير مسبوقة. وقد ظهر ذلك بوضوح في مشهد الانسحاب الجماعي لوفود من قاعة الجمعية العامة عند بدء خطاب نتنياهو في سبتمبر/أيلول 2026.

وفي هذا الإطار أيضًا جاءت التقارير عن اجتماع عسكري مغلق في ألمانيا ضم مسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية، في إطار نقاشات إقليمية مرتبطة بإيران والصراعات القائمة، وقد أكدت مصادر أن الاجتماع ضم قيادات عسكرية من ثماني دول، ومثل هذه الاتصالات لا تعني، بحد ذاتها، تطبيعًا دبلوماسيًا جديدًا، لكنها تكشف اتساع شبكة الاتصالات الإقليمية التي يستطيع نتنياهو تقديمها ضمن صورة إسرائيل التي تعزز علاقاتها وشراكاتها في المنطقة.

وتدخل هنا أيضًا قضية قطر، ولكن من زاوية مختلفة، فقد كشفت تقارير إسرائيلية ووثائق منشورة عن مزاعم بشأن تحويل أموال قطرية إلى مسؤولين أو دوائر مرتبطة بنتنياهو وليبرمان، بينها وثائق تحدثت عن مبلغ 50 مليون دولار، وقد نفت جهات في الليكود هذه الاتهامات، كما أشارت المصادر نفسها إلى عدم وجود دليل قاطع على أن الأموال وصلت فعلًا إلى نتنياهو، وفي 2025 فُتح تحقيق رسمي إسرائيلي بشأن علاقات أفراد من مكتب نتنياهو بجهات مرتبطة بقطر، ثم أُحيل ملف التحقيق إلى النيابة في يناير/كانون الثاني 2026، وهذه القضية، وإن كانت مختلفة عن ملف التطبيع، تضيف إلى المشهد سؤالًا أوسع حول تشابك السياسة الإسرائيلية مع الاتصالات الإقليمية والتمويل.

لذلك، فإن السؤال ليس: أي دولة عربية ستنقذ نتنياهو؟ بل: لماذا يعود نتنياهو، كلما احتاج إلى إنجاز قابل للعرض أمام الناخب الإسرائيلي، إلى توسيع دائرة العلاقات العربية الإسرائيلية، أو حتى إلى إبقاء الحديث عن توسيعها حيًا؟

في 2020 كان لديه اتفاقات تطبيع مكتملة يستطيع عرضها باعتبارها إنجازًا، وفي 2026 يستطيع أن يعرض اتفاقًا جديدًا إذا تحقق، أو أن يستثمر في صورة المسار المتوسع إذا بقي في دائرة الإشاعة والاحتمال، وهنا لا يصبح حبل النجاة هو التطبيع وحده، بل التطبيع وإشاعة التطبيع معًا؛ فالإنجاز الحقيقي يمنحه ورقة انتخابية، والحديث عن إنجاز محتمل يمنحه مادة سياسية قابلة للتوظيف.

ولهذا تبدو محاولات نتنياهو لتعميم التطبيع في هذه المرحلة أكثر من مجرد سياسة خارجية؛ إنها أيضًا محاولة لإنتاج رصيد سياسي داخلي، فالمسألة ليست في أن دولة عربية ما تتحرك لإنقاذه، وإنما في أن نتنياهو يبحث عن كل تطور يستطيع وضعه أمام الناخب باعتباره إنجازًا شخصيًا، وإذا تعذر الإنجاز، يبقى الحديث عنه، والتوقع به، وإشاعته، مادة سياسية قابلة للاستخدام، وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: قد لا يحتاج نتنياهو إلى أن يصل التطبيع إلى نهايته كي يستفيد منه؛ يكفي أحيانًا أن يبدو وكأنه يتقدم.

لكن ما لا يعرفه نتنياهو، أو ربما يعرف ويتجاهل، هو أن حبل نجاته ونجاة كيانه يكمن فقط في إنهاء احتلاله لكل الأراضي العربية المحتلة، وفي المقدمة أراضي دولة فلسطين، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والقدس عاصمة لها، عندها فقط يمكن أن يحتفل كيانه بالمئة بمئة عام التي سبق وتمنى حصولها في إحدى خطاباته.