نحو نهوض وطني فلسطيني جديد

2026-09-27 22:05:57

المداخلة التي القيتها اليوم في مؤتمر " آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحديات" ونظمه مركز مسارات وشارك به المئات في الضفة وغزة وجاهيا وعبر رابط زووم.

نحو نهوض وطني فلسطيني جديد

إذا أردنا أن نجيب عن سؤال المؤتمر، فعلينا أن نجيب أولًا عن سؤال آخر: هل هناك آفاق لاستنهاض الحالة الفلسطينية في ظل الأدوات السياسية القائمة؟ وإذا كان الجواب، كما أعتقد، سلبيًا، فما المطلوب لكي يصبح هذا الاستنهاض ممكنًا؟

لا تستطيع مداخلة قصيرة أن تفي هذا الموضوع المركزي والمصيري حقه، ولكن يمكن وضع بعض الإشارات التي من شأنها أن تساعد في تقديم الأجوبة المطلوبة.

تشخيص الحالة الفلسطينية

المسألة الأولى المطلوبة هي تشخيص الحالة الفلسطينية تشخيصًا سليمًا. وأي تشخيص موضوعي يقود إلى القول إن هناك مأزقًا بنيويًا شاملًا، يتجلى في جانبين أساسيين:

الأول، أن النظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته، والحركة الوطنية والمجتمع المدني، عاجزون عن التصدي الفعال، وحتى بالحد الأدنى، للتحديات والمخاطر الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني، وعن توظيف الفرص المتاحة.

والثاني، أن المشروع الاستعماري الصهيوني بلغ ذروة خطورته، في اتجاه الحسم والإبادة والضم والتهجير وفرض السيادة، ضمن مسار يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، بكل أبعادها الوطنية والسياسية والإنسانية.

إن النظام السياسي بمختلف مكوناته، والحركة الوطنية والمجتمع المدني، يمرون بمأزق عميق وبنيوي وشامل، نتيجة غياب التجديد والمراجعة والمساءلة، وتراكم أزمات ذاتية وموضوعية، محلية وإقليمية ودولية، متشابكة ومتداخلة. وقد أدى ذلك إلى حالة من العجز عن التصدي الفعال للتحديات والمخاطر الوجودية، إلى درجة أصبح فيها الفلسطينيون، في كثير من الأحيان، متفرجين ومفعولًا بهم، وهم يشاهدون مخطط تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، ولا سيما قضية اللاجئين والقدس وفلسطينيي الداخل، ومحاولات توطين اللاجئين في الخارج.

ويتجاوب النظام السياسي، مع محاولات تزييف الرواية التاريخية، بما في ذلك تغيير المناهج التعليمية، وتحويل قضية رواتب الأسرى وعائلات الشهداء من قضية وطنية ونضالية مرتبطة بالذاكرة والهوية الفلسطينية إلى مجرد مسألة اجتماعية.

كما ينتظر وقف الإبادة والتهجير، ويشاهد انفصال غزة ووقوعها تحت الوصاية الأجنبية، ولا يكتفي بعدم العمل الفعال لإحباط هذه العملية، بل يمنحها، سواء على صعيد القيادة أو الفصائل، قدرًا من الغطاء والشرعية من خلال القبول بها و بالأمر الواقع.

وفي الضفة الغربية، تتواصل عمليات الضم والتهويد والاستيطان والفصل العنصري والتطهير العرقي، وتحويل المناطق الفلسطينية إلى معازل سكانية منفصلة عن بعضها البعض، ومعرضة للاعتداءات بمختلف أشكالها، من دون قدرة فلسطينية فعالة على وقفها.

وفي الوقت نفسه، يقوم النظام السياسي، في ظل موازين القوى القائمة، بالتساوق بدرجات متفاوتة مع الشروط الأمريكية والإسرائيلية، المدعومة من أوساط دولية، لتنفيذ ما يسمى بالإصلاح؛ وهو إصلاح قد يكون في بعض جوانبه حقًا يُراد به باطل، وفي جوانب أخرى باطلًا يُراد به باطل. فالإصلاح المطلوب خارجيًا لا يستهدف تحسين أداء السلطة، وإنما يسعى إلى إنتاج سلطة "متجددة" وجديرة بالقبول، وقادرة على أن تصبح لاعبًا في رسم معالم فلسطين المقبلة، من دون ضمان أن يحقق ذلك الحد الأدنى من الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية.

ويتواصل الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي ويتعمق، رغم المخاطر الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني. كما يتواصل تهميش المؤسسات الوطنية وتجويفها، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، وتحويلها إلى مؤسسة خاضعة لشخص و للون سياسي واحد، بما يفقدها تدريجيًا صفتها التمثيلية بوصفها الإطار الوطني الفلسطيني الجامع والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

ويتواصل كذلك تآكل الشرعيات الكفاحية والتمثيلية والانتخابية. وعندما جرى التوجه نحو الانتخابات مؤخرا، تم ذلك بصورة ارتجالية وانفرادية جعلتها عرضة للتأجيل أو التعطيل. وحتى إذا عُقدت الانتخابات، فإن إجراءها من دون أن تكون جزءًا من تصور وطني شامل قد يؤدي إلى تكريس الواقع القائم بل زيادة الشرذمة والانقسام ، الذي تحولت فيه السلطة تدريجيًا إلى إدارة للسكان تحت الاحتلال.

ولا يزال التمسك بمسار أوسلو يمثل سقفًا للقيادة الفلسطينية، رغم تخلي الحكومات الإسرائيلية عن معظم التزاماتها فيه منذ فترة طويلة. كما لا تزال الأوهام والرهانات الخاسرة، والغيبيات، والمشاريع الفئوية الخاضعة للواقع أو المغامرة، هي السائدة، من دون مراجعة جادة أو استخلاص للدروس والعبر.

كل ما سبق يدل على أن الأدوات الفلسطينية القائمة باتت عاجزة عن إحداث النهوض المطلوب، الأمر الذي يفرض البحث عن صيغ جديدة، سواء من خلال إصلاح وتجديد وتغيير الأطر القائمة، أو من خلال تأسيس أطر وحراكات وأحزاب جديدة، تسعى إلى عقد جمعية تأسيسية يقع على عاتقها وضع الأسس للنهوض الفلسطيني القادم.

وبعد أن تعمق المأزق إلى هذا الحد، فإن طريق الخلاص لم يعد يحتاج فقط إلى «تيار ثالث» يكسر الاستقطاب الثنائي الحاد الذي ميز العقدين الأخيرين، بل إن حجم المخاطر الوجودية يستدعي بناء جبهة إنقاذ وطني يشارك فيها كل وطني وكل حريص على شعبه وقضيته الوطنية.

جبهة إنقاذ تتسع لكل من يريد المشاركة، من دون إقصاء أو تخوين أو تكفير، ومن دون احتكار للحقيقة أو الوطنية أو الدين.

وأي مبادرة جديدة لا بد أن تنطلق أولًا من إدراك أن المشروع الاستعماري الصهيوني يستهدف الشعب الفلسطيني بمختلف أفراده وطبقاته وألوانه، لأنه مشروع استيطاني إحلالي وعنصري وإجلائي، لا يكتفي بمصادرة الأرض وتهويدها وطرد سكانها، وإنما يستهدف تهجير الفلسطينيين من وطنهم لإقامة دولة يهودية تقوم على الامتيازات القومية والدينية.

هذه الحقيقة تجعل ما يجمع الفلسطينيين أكبر بكثير مما يفرقهم، وتجعل إمكانية توحيدهم في جبهة وطنية عريضة وتعددية، تقوم على أسس وطنية وشراكة حقيقية وديمقراطية توافقية، وتشكيل قيادة وطنية واحدة، إمكانية موضوعية تنتظر حاملًا ذاتيًا يسعى إلى تحقيقها.

المرتكزات والمبادئ لانطلاقة جديدة

أساس النهوض الجديد هو إعادة الاعتبار للمشروع الوطني، الذي يتكون من العناصر التالية:

الميثاق الوطني

الحاجة إلى صياغة جديدة وجامعة للميثاق الوطني، تحافظ على السردية التاريخية والحقوق والأهداف الأساسية، وتأخذ في الاعتبار المتغيرات والخبرات المستفادة والحقائق الجديدة، وتنطلق من وحدة القضية والأرض والشعب، وتعيد تعريف الهوية الوطنية والحقوق السياسية، بما في ذلك حق تقرير المصير والعودة والقدس والعدالة والمساواة، على نحو يستوعب مختلف احتياجات وأولويات تجمعات الشعب الفلسطيني، من دون التفريط بالحقوق والمصلحة الوطنية.

البرنامج الوطني

بلورة برنامج وطني مرحلي وواقعي، يوازن بين الحفاظ على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وبين متطلبات المرحلة الراهنة، ويحدد الأهداف الممكن تحقيقها في كل مرحلة.

استراتيجية النضال

تنويع أدوات الفعل الوطني: السياسي، والشعبي، والعسكري، والقانوني، والدبلوماسي، والإعلامي، وغيرها، واستخدام ما يلائم تحقيق الأهداف والمصلحة الوطنية وينسجم مع موازين القوى في كل مرحلة، مع إجراء نقاش مفتوح ومسؤول حول جدوى كل أداة ومخاطرها ونتائجها.

الغاية النهائية والأهداف المرحلية

ضرورة التمييز بين الهدف الاستراتيجي النهائي، والأهداف الاستراتيجية المرحلية، والأهداف المباشرة.

فالهدف النهائي، وفق الرؤية المطروحة، هو إنهاء المشروع الاستعماري الاستيطاني وتفكيك نظام الامتيازات العنصري، بما يفتح الطريق أمام إقامة نظام سياسي يقوم على المساواة والعدالة لجميع سكان فلسطين.

أما الهدف الاستراتيجي المرحلي فهو تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والذي يمكن أن يشمل انهاء الاحتلال و إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.

أما الأهداف المرحلية والمباشرة الأخرى فتشمل: وقف الإبادة والتهجير والحصار والتجويع والفصل العنصري والتوسع الاستيطاني، وحماية القدس، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء الانقسام، وإطلاق سراح الأسرى، وبناء اقتصاد صمود وتنمية حقيقية، ومواجهة محاولات تزييف التاريخ والرواية الوطنية الفلسطينية.

أولوية الصمود والبقاء

المرحلة الراهنة هي مرحلة صمود وبقاء، وليست مرحلة حلول، وتقتضي:

وقف حرب الإبادة وخطط الضم والتهجير والفصل العنصري والتطهير العرقي، وإعادة الإعمار بوصفها أولوية الأولويات، وتحصين البنية الاجتماعية والاقتصادية للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.

حماية ما تبقى من مكتسبات، وفي مقدمتها الوجود على الأرض، والمؤسسات الوطنية، وحضور القضية الفلسطينية في الوعي الدولي.

إفشال مخططات الفصل وتقطيع الأوصال، ووضع السكان في معازل، والتهجير والضم والتصفية السياسية للقضية، عبر العمل الشعبي والدبلوماسي والقانوني والإعلامي.

تجنب الدخول في مغامرات تتجاوز الإمكانيات المتاحة، أو في مفاوضات من دون مرجعية ملزمة، ومن دون امتلاك أوراق القوة والبيئة الإقليمية والدولية المناسبة.

تجنب الانخراط في حلول جزئية تفرط بالحقوق وتستنزف الطاقة الوطنية من دون طائل، إلى حين تغير موازين القوى وتبلور شروط موضوعية للانتقال إلى مرحلة الحلول.

موقع منظمة التحرير والسلطة والفصائل

منظمة التحرير الفلسطينية

ينبغي حسم السؤال حول إمكانية إصلاح وتجديد منظمة التحرير من الداخل، من خلال إعادة بناء مؤسساتها باعتبارها إطارًا تمثيليًا جامعًا لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، بما يعيد إليها صفة «الممثل الشرعي الوحيد» على أسس تشاركية حقيقية لا شكلية.

وفي حال ثبت وتعمق أن المنظمة أصبحت مؤسسة فئوية وطاردة، ينبغي بحث البدائل، بما في ذلك التحضير لعقد جمعية تأسيسية يمكن أن تضع الأسس لإطار وطني جديد.

ولا ينبغي أن يبدأ هذا المسار بالضرورة بنزع شرعية القيادة والمنظمة، وإنما يمكن أن ينطلق من عدم الاكتفاء بالشرعية القائمة، والعمل على بناء شرعية وطنية جديدة تستند إلى الالتفاف الشعبي الواسع، وإلى التمثيل الديمقراطي والشراكة الوطنية.

السلطة الفلسطينية

المطلوب حسم النقاش حول وجود السلطة ووظيفتها ومستقبلها:

هل تبقى أداة إدارية وخدمية مقيدة باتفاقيات أوسلو، وأقل من ذلك بكثير في ظل ممارسات الاحتلال؟

أم يعاد تعريف دورها وتغييره ضمن استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز إدارة الحكم الذاتي والسكان تحت الاحتلال؟

أم أن الظروف تستدعي حلها وبناء سلطة أو سلطات جديدة؟

وهو نقاش لا يمكن حسمه بمعزل عن حقيقة أن الاحتلال لن يسمح بتغيير وظيفة السلطة إلا إذا اضطر إلى ذلك بفعل تغير موازين القوى والضغوط السياسية والشعبية والدولية.

الفصائل

من الضروري استنفاد إمكانية إصلاح وتفعيل الفصائل بدون أوهام حول إمكانية كبيرة لحدوث ذلك، وإنهاء الانقسام عبر شراكة سياسية حقيقية، لا مجرد مصالحة إدارية، وإعادة الاعتبار لمبدأ التعددية داخل إطار وطني موحد، بدل الازدواجية القائمة في السلطة والتمثيل والقيادة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الانفتاح على وتشجيع تشكيل فصائل وحراكات وتيارات وطنية ديمقراطية وتعددية جديدة، بما يفتح المجال أمام تجديد الحياة السياسية الفلسطينية.

الخطوات المطلوبة

إذا أردنا تحديد الخطوات العملية المطلوبة، يمكن عرضها على النحو التالي:

أولًا: أولوية الصمود والبقاء للشعب والقضية.

ثانيًا: الرهان على الشعب واستعداده لمواصلة النضال، أولًا، وثانيا على الأبعاد العربية والإسلامية والإنسانية المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمنخرطة في الكفاح العالمي من أجل الحرية والعدالة والمساواة.

ثالثًا: تغيير المسار وبناء بديل وطني ديمقراطي تعددي.

رابعًا: بلورة موقف وطني موحد من الانتخابات، وتحديد متطلبات ضمان نزاهتها وحريتها واحترام نتائجها، مع التركيز على ضرورة توفير ضمانات دولية تضغط على دولة الاحتلال حتى لا تمنع عقد الانتخابات أو تعرقلها أو تصادر نتائجها.

خامسًا: بناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة وتعددية، منفتحة على أوسع قدر ممكن من القوى والمؤسسات والأفراد، وتعتمد على المشاركة والمبادرة الشعبية، وليس على الفصائل والنخب وحدها.

ولا ينبغي لهذه الجبهة أن تكتفي بالمعارضة، بل عليها أن تقدم نماذج وبدائل عملية في السياسة والاقتصاد والخدمات والتنمية والمجتمع والثقافة.

وعلى أي حركة وطنية متجددة أو جديدة أن تستهدف الوحدة والإنقاذ الوطني وتلبية الاحتياجات الحياتية، لأن المخاطر التي تواجه الشعب والقضية باتت وجودية. وعليها أن تحدد أهدافًا استراتيجية نهائية، وأهدافًا راهنة تتصدى لمهمات هذه المرحلة وتكون قابلة للتحقيق.

لذلك، لا ينبغي أن تقوم هذه الحركة بتبرير الواقع والتكيف معه على أساس أنه «ليس بالإمكان أبدع مما كان»، كما لا يكفي أن تكتفي بالتبشير بما يمكن وما يجب أن يكون.

المطلوب هو الانخراط في خوض المعارك الراهنة، من دون عزلها عن المستقبل وأهدافه، والاستناد إلى خيار وطني واقعي وثوري وديمقراطي وتوافقي في آن واحد؛ خيار يعترف بالواقع ويتعامل معه من أجل تغييره، من دون الخضوع له، ومن دون القفز عنه.