منتدى الرواد الكبار..
حمادة فراعنة شاهد على الحدث
من البندقية إلى القلم.. المعركة لم تنتهِ، بل تغيّر سلاحها
لم تكن أمسية منتدى الرواد الكبار مع الأستاذ حمادة فراعنة أمسية ثقافية عابرة، ولا لقاءً تقليديًا ينتهي بانتهاء الحديث، بل كانت مساحة واسعة للتفكير والحوار؛ لأن ضيفها كان رجلًا عاصر الحدث، وشاهد تفاصيله، والتقى بأصحاب القضية، وعاش محطات سياسية لم يسمع عنها من الآخرين، بل كان حاضرًا في بعضها وشاهدًا عليها، ثم حمل تجربته إلى ميدان الكتابة والتحليل.
استضاف المنتدى أحد الكبار في مجال الكتابة والتحليل السياسي، المهتم بالشأن الفلسطيني والأردني الفلسطيني والفلسطيني الدولي، فجاء الحديث عميقًا بقدر عمق القضية التي حملها فراعنة طوال مسيرته.
وقد أدار الحوار الأستاذ بركات عكاوي، وسط حضور لافت وتفاعل حماسي من الحاضرين، الذين لم يأتوا لمجرد الاستماع، بل لأنهم يعرفون أن لدى حمادة فراعنة ما يجب أن يُقال، وما يستحق أن يُسمع.
كانت فلسطين القضية حاضرة في تفاصيل الأمسية؛ فلسطين الأرض والشعب والهوية والحقوق والتاريخ، وحضر معها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكل تعقيداته، والتهجير ومخاطره، ومفهوم الوطن البديل، والعلاقة الأردنية الفلسطينية، ومحطات تاريخية وسياسية كان لها أثرها في مسار القضية.
وتوقف فراعنة عند تجربة اتفاق أوسلو وما رافقها من نتائج وإشكالات، في قراءة فتحت الباب للنقاش بعيدًا عن الأحكام السريعة، سواء اتفق المرء مع بعض بنوده أو اختلف معها.
كما استعاد جانبًا من العلاقة بين الراحلين الملك الحسين بن طلال وياسر عرفات، وما حملته تلك المرحلة من محطات وتفاهمات وتعقيدات، بما يؤكد أن فهم الحاضر يحتاج أحيانًا إلى العودة إلى تفاصيل الأمس، لاكتشاف كيف تشكلت المواقف والمسارات.
الملك والقضية.. ثماني زوايا في مواجهة واحدة
ومن المحاور اللافتة التي تناولها حمادة فراعنة، الدور الذي يقوم به جلالة الملك عبدالله الثاني في حمل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، والصعوبات التي تواجه هذا الدور، والجهود السياسية والدبلوماسية التي يبذلها الأردن في مواجهة التحديات.
وأشار فراعنة إلى أن رحلة العمل الملكية إلى الولايات المتحدة، عندما تحمل همّ القضية الفلسطينية، لا تعني مخاطبة جهة أمريكية واحدة، وإنما التعامل مع دوائر متعددة ومؤثرة في صناعة القرار والرأي العام الأمريكي.
وطرح خلال الأمسية تصورًا يقوم على أن الخطاب الأردني يجد نفسه أمام ثماني زوايا متداخلة، ذكر منها الرئيس الأمريكي، ونائب الرئيس، والكونغرس، والإعلام، إلى جانب دوائر ومراكز تأثير أخرى داخل المشهد الأمريكي.
وهنا، كما أوضح فراعنة، تكمن صعوبة المهمة؛ فالقضية الفلسطينية لا تُطرح في مساحة سياسية واحدة، بل تحتاج إلى خطاب يصل إلى دوائر متعددة، لكل منها حساباتها ومصالحها وأدوات تأثيرها.
ومن هنا جاءت الإشارة إلى أهمية الحضور الأردني السياسي والدبلوماسي في التعامل مع الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والقدس، والتهجير، والاستيطان، ومستقبل المنطقة.
وهذا الدور يرتبط أيضًا بحقيقة أن الأردن ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، مع التأكيد على حماية المصالح الوطنية الأردنية ورفض أي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني أو محاولة فرض واقع جديد على حساب الأردن وفلسطين.
من البندقية إلى القلم
ومن أكثر محطات الأمسية دلالة، حديث حمادة فراعنة عن تجربته في مواجهة الاحتلال، وكيف تغيّرت أدواته مع الزمن؛ من السلاح والرصاص والبندقية إلى القلم والكلمة والخطاب.
تغيّرت الأداة، لكن القضية لم تتغير.
انتقل من ميدان الفعل المقاوم بالسلاح إلى ميدان آخر؛ ميدان الوعي والفكر والتحليل والكلمة، ليواصل حضوره في الدفاع عن فلسطين، وقراءة المشهد، ومخاطبة العقول، وكشف مسارات الصراع.
وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فالرجل لم يكتفِ بأن يكون ناقلًا للخبر، بل ظل شاهدًا على مراحل من القضية، يقرأ ما عايش، ويحلل ما شاهد، ويحوّل التجربة إلى معرفة قابلة للنقاش.
وفي حديثه عن الصراع، لم يتوقف عند المواجهة المباشرة، بل أشار إلى أهمية فهم المجتمع الإسرائيلي وآليات التأثير داخله، وما سماه «اختراق المستعمرة»؛ أي الوصول إلى الداخل، وفهم بنيته، ومخاطبة وعيه، وفتح مساحات للتأثير، بدل الاكتفاء بالنظر إلى الصراع من خارجه.
وهنا بدت الفكرة واضحة: المواجهة لا تكون بأداة واحدة، والوعي نفسه يمكن أن يكون ساحة من ساحات الصراع.
أمسية تفتح البوصلة من جديد
كانت الأسئلة كثيرة، والتفاعل واضحًا، والحوار مفتوحًا.
استمع الحضور، وسألوا وتساءلوا وناقشوا، والأهم أنهم غادروا الأمسية وهم يحملون زوايا جديدة للنظر إلى القضية الفلسطينية، وإلى العلاقة الأردنية الفلسطينية، وإلى طبيعة الصراع وآليات التأثير فيه.
وهذه هي قيمة المنتديات الثقافية الحقيقية؛ ألا تقدم للناس إجابات جاهزة، بل تمنحهم فرصة للسؤال، وإعادة التفكير، ورؤية المشهد من زاوية أوسع.
كل الشكر والتقدير إلى منتدى الرواد الكبار على هذه الاستضافة الثرية، وعلى دوره في صناعة مساحة للحوار تجمع أصحاب الخبرة والمعرفة بجمهور يريد أن يفهم ويناقش ويتفاعل.
والشكر موصول للأستاذ بركات عكاوي على إدارة الحوار، وللأستاذ حمادة فراعنة على هذه الأمسية التي جمعت بين الذاكرة والتجربة والتحليل، وبين القضية والتاريخ والحاضر.
لقد كانت أمسية تليق بالكبار؛ لأننا حين نلتقي بمن عاصر الحدث وشهده وحلله، فإننا لا نستمع إلى رواية فقط، بل نقترب من فهم أعمق للمشهد.
من البندقية إلى القلم، ومن الرصاص إلى الكلمة؛ المعركة لم تنتهِ، بل تغيّر سلاحها، وتغيّرت الأدوات، لكن فلسطين بقيت هي القضية.