وَصْفَةُ آغَا سِنَان لِلْجُمْهُورِيَّةِ التَّرَامْبِيَّةِ فِي بِلَادِ الوَاقِ وَاق

2026-10-01 18:23:52

يُحكى أن السلطان سليمان القانوني، الذي اشتهر بالبناء، طلب من وزيره ومستشاره أن يُحضرا له مهندسًا مميزًا، فجاءه آغا سنان. أخبر السلطان المهندس أنه يريد هدم السرايا وإعادة هندستها حتى تعمر طويلًا ولا ينال منها الزمان، واتفقا على مراحل الهدم والبناء. في اليوم التالي أحضر آغا سنان عمالًا ليقوموا بالهدم، فلما انتهوا صرفهم، ثم أحضر عمالًا جددًا ليتولوا البناء. وحين سأله السلطان عن سبب استبدال العمال، أجابه بأن جده الختيار كان يقول له: «اليد التي تهدم لا تؤتمن على البنيان، ومن يولع الحرائق لا يطفئها، ومن هو على الحافة لا يُؤمَن استقراره». وقد تبدو الحكاية قديمة، لكنها تصلح اليوم وصفةً لجمهورية من جمهوريات الواق واق الثلاث والعشرين، وتحديدًا لتلك التي أُريد لها أن تكون جمهورية ترامبية في بلاد الواق واق؛ جمهورية يُقال إنها ستدخل عهدًا جديدًا وتبني كيانًا جديدًا، فيما يبقى السؤال القديم نفسه: من سيبني؟

فالدولة لا تُبنى بالحجر وحده، ولا بالخرائط، ولا باللافتة التي تُعلَّق على باب المؤسسة؛ الدولة تُبنى باليد التي تضع الحجر، وبالعقل الذي يعرف أين يضعه، وبالمعيار الذي يختار أصحاب المسؤولية. فإذا كانت اليد قد اعتادت الهدم، فليس من المنطق أن نطلب منها أن تمسك أدوات البناء، وإذا كان المعيار الذي أوصل إلى الخلل هو نفسه الذي سيختار رجال المرحلة الجديدة، فلن يكون الجديد أكثر من اسم جديد لخلل قديم.

وفي تلك الجمهورية، انعكس الهرم واختلت المعايير؛ فصار أصحاب الكفاءات العلمية باعةً متجولين في الشوارع، بينما اعتلى بعض الأميين والجهلة رئاسة جامعات وأكاديميات ومراكز بحث. وهناك يتحول شهود الزور إلى قضاة، ويتولى بعض اللصوص الخزائن، ويُرقَّى العملاء بينما يُسجن العلماء. وفي المشهد ذاته، يتقدم أصحاب السوابق من قتلة ومجرمين وقطاع طرق ومنافقين وماسحي أحذية السلاطين، خصوصًا من يرفعون الأفراد فوق الدولة ويمنحونهم حقًا مطلقًا في الحكم. وبالمقابل، يُستبعد الأحرار والشرفاء، ويُهان العزيز ويُذل الكريم، ويُعاقب المجتهد والمخلص بينما يُرقَّى الغائب عن وظيفته، وكأن الدولة قررت أن تعاقب من يخدمها وتكافئ من يفرغها من معناها.

في الجمهورية الترامبية، لم تعد الشهادة العلمية هي الشهادة الأعلى قيمة؛ فهناك شهادات بديلة أكثر نفوذًا: الواسطة، والسلالة، والولاء، والمناطقية، والحزبية. وبها يولد ابن السيد لواء، وابن اللواء عميدًا، وابن السفير ملحقًا، وابن الوزير وكيلًا، وابن الوكيل مديرًا، وكأن الدولة تحولت إلى شجرة عائلة تتوارث أغصانها المناصب. وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية إلى مكافأة، ومن خدمة للمواطن إلى امتياز لمن يملك مفتاح الدخول إلى دائرة السلطة؛ وعندها لا يعود الفساد خطأً يرتكبه بعض الأفراد، بل يصبح طريقة عمل.

وبناءً على كل تلك الممارسات، أصبح الفقر سيد المشهد والجوع صاحب السلطة؛ حيث تُسرق الرواتب، وتُنهب المساعدات، وتجد الأدوية والوقود طريقها إلى السوق السوداء، بينما يموت بعض الأغنياء من التخمة، أما المواطن فله طوابير البنزين والسولار والغاز والكاز. هناك تصبح مواد مثل الماء والدواء والكهرباء والغذاء والسلام والأمان والحرية صعبة المنال، وأقرب إلى المعجزة من الحصول عليها، فيما تحرص الجمهورية على أن تبدو دولة لها مؤسسات ومناصب وأختام ومراسيم وخطب وممثلون في المحافل الدولية. وحتى عندما وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، انسحب غالبية مندوبي دول الواق واق من القاعة، ولم يبقَ منهم سوى عدد محدود.

لكن المفارقة الكبرى أن الجمهورية الترامبية، رغم حداثة تكوينها، مهددة بالانهيار قبل أن تكتمل أركانها؛ فحداثة الدولة لا تعني سلامة أساسها، والجديد في الاسم لا يعني جديدًا في البنية. وإذا أُقيم الكيان الجديد بالمعايير نفسها التي صنعت الخلل القديم، فإنه قد يبدأ شيخوخته السياسية في يومه الأول. والخطر الحقيقي ليس في الخلل الذي ورثته الجمهورية، بل في أن تعيد إنتاجه داخل كيان جديد، فتتغير الخريطة واللافتة والمناصب، بينما تبقى الأيدي نفسها والعقلية نفسها وقواعد الاختيار نفسها.

وهنا تعود حكاية آغا سنان: فهو لم يطلب طلاء السرايا، ولم يُغيّر واجهتها، ولم يُبقِ عمال الهدم ليقوموا بالبناء بعدها؛ فهم أن الهدم والبناء مهمتان مختلفتان، وأن اليد التي هدمت لا تصبح صالحة للبناء بمجرد أن تتغير المهمة. لذلك صرف عمال الهدم وأتى بعمال جدد. وهذه هي القاعدة التي يبدو أن جمهورية الواق واق لم تفهمها: من يهدم المؤسسة لا ينبغي أن يكون هو المرجع الوحيد لإعادة بنائها، ومن يشعل الحريق لا يُسلَّم مهمة إطفائه، ومن أفسد قواعد الدولة لا يُطلب منه وحده إصلاحها.

وإذا كان المطلوب بناء كيان جديد، فلا يكفي أن نسأل عن اسمه وشكله ومؤسساته ومن يتولى مناصبه؛ السؤال الحاسم هو: بأي معايير سيُختار من يديرونه؟ لأن تغيير الأسماء لا يغير طبيعة الدولة، وتبديل الواجهات لا يصلح أساسًا متصدعًا. تستطيع أن تهدم بيتًا في شهر، لكنك لا تبني دولة في شهر، وتستطيع أن تبدل وزيرًا أو مديرًا أو قائدًا، لكنك لا تبدل ثقافة الحكم إذا بقي معيار الاختيار نفسه. وأخطر ما يمكن أن يحدث لكيان جديد أن تدخل إليه الدولة القديمة من الباب الخلفي، وأن يبدأ العهد الجديد بالوجوه نفسها التي صنعت العهد الذي سبقه.

ولهذا لا تحتاج الجمهورية الترامبية إلى إعادة تدوير الخلل، بل إلى إعادة بناء حقيقية: كفاءة بدل الواسطة، وشهادة علمية بدل شهادة الولاء، ومسؤولية بدل الميراث، وقانون فوق صاحب المنصب لا تابعًا له. وتحتاج قبل ذلك إلى أن تفهم أن الدولة ليست ملكًا لفرد أو عائلة أو جماعة أو راعٍ من الخارج، وأن السيادة ليست شعارًا ولا حماية تُستورد، بل قرار يصدر عن مؤسسات الدولة ويخضع للقانون. فحين يصبح المسؤول مالكًا للدولة بدل أن يكون موظفًا فيها، وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، لا تعود الجمهورية دولة جديدة مهما تغير اسمها.

ولا يعني ذلك أن كل من عمل في المرحلة السابقة يجب أن يُقصى لمجرد أنه عمل فيها؛ فالدولة لا تُبنى بالانتقام، وإنما بالمعايير. لكن من ثبت فساده، أو ثبتت مسؤوليته عن هدم المؤسسات، أو جعل الولاء بديلًا عن الكفاءة، لا يمكن أن يكون هو المرجع في إصلاح ما أفسده. فالتمييز بين من يستطيع البناء ومن اعتاد الهدم ليس تصفية حساب، بل شرط من شروط سلامة البناء. أما أن تُسلَّم اليد التي أفسدت مهمة الإصلاح، واليد التي نهبت مهمة الحراسة، واليد التي أشعلت الحريق مهمة الإطفاء، فذلك ليس بناءً جديدًا، بل إعادة تدوير للخلل.

وهنا تكمن المفارقة التي قد لا تنتبه إليها الجمهورية الترامبية: قد تكون جديدة في تاريخها، لكنها ليست بالضرورة جديدة في عقليتها؛ وقد تحمل اسمًا جديدًا، لكنها قد ترث الأدوات التي أفسدت ما قبلها. والدولة التي تبدأ بالمعايير الخطأ لا تحتاج إلى سنوات طويلة كي يظهر عطبها، لأنها تحمل بذور انهيارها في طريقة تأسيسها. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس متى تبدأ الجمهورية، بل بأي أيدٍ تبدأ، ولا من يرفع رايتها، بل من يضع أول حجر في أساسها.

فالجمهورية الموعودة لا تحتاج إلى معجزة، ولا إلى سلطان جديد، ولا إلى خطب جديدة؛ تحتاج إلى أن تفهم ما فهمه آغا سنان منذ زمن بعيد: اليد التي تهدم لا تؤتمن على البنيان. فإذا لم تفهم الجمهورية الترامبية هذه الوصفة قبل أن يبدأ البناء النهائي، فقد تكتشف متأخرةً أن السرايا لم تعد بحاجة إلى من يهدمها؛ لأنها تكون قد بدأت بالانهيار من الداخل.

فالبناء الحقيقي لا ينطلق من الركام طالما ظلت اليد العابثة هي التي تقبض على أدوات العمل، بل يبدأ حين تتوفر الإرادة السياسية الصادقة لإعلاء شأن القانون، وإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية النظيفة لتأخذ دورها الطبيعي. وحينها فقط يمكن لجمهورية الغد أن تتحرر من أثقال الأمس، لتتحول من مجرد لافتة جديدة على سور الخلل إلى دولة حقيقية تليق بكرامة أبنائها ومستقبلهم.