اليسار الفلسطيني أمام مفترق طرق قبل صناديق الاقتراع
ما زالت لجنة الانتخابات المركزية تستقبل قوائم الترشح لانتخابات المجلس التشريعي، ومع هذه المرحلة دخلت القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية مرحلة جديدة من الاستعداد لخوض الانتخابات. وفي هذه اللحظة، تقف قوى اليسار أمام سؤال يتجاوز مجرد المشاركة الانتخابية: أين أصبح اليسار؟ وهل ما زال يمتلك البوصلة التي جعلته تاريخيًا صمام أمان للمشروع الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، وحاملًا للمشروع الديمقراطي والاجتماعي، والمدافع عن حقوق الناس والفئات المهمشة؟
سبق أن عبّرت عن موقفي من ظروف وشروط هذه الانتخابات، وما يحيط بها من محاذير وأسئلة مشروعة. لكن التحفظ على شروط العملية الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى انكفاء، بل إلى البحث عن كل ما هو ممكن للتأثير فيها، خاصة أن نتائجها سيكون لها أثر على مجمل الحالة الفلسطينية. وفي المقابل، فإن المشاركة لا ينبغي أن تعني التخلي عن المبادئ أو تجاوز المحاذير القائمة، أو الإسراع في ركوب العربة المتاحة في قطار لا تزال وجهته غير معروفة.
وخلال سنوات أزمة الانقسام التي امتدت قرابة عشرين عامًا، كان رهان قطاعات واسعة من الناس ينصب على أهمية قيام قوى اليسار باتخاذ موقف موحد تجاه الانقسام، وفي مواجهة ما نتج عنه من ممارسات أضرت بالقضية الفلسطينية، وأثرت سلبًا على بنية المجتمع الفلسطيني وآفاق تطوره. ومع اقتراب الانتخابات، بدت الآمال تتجدد بإمكانية أن يخطو اليسار خطوة إلى الأمام في هذا الاتجاه، وأن يحوّل سنوات الانقسام المريرة إلى دافع لاستعادة دوره في إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي.
غير أن هذا الأمل بدأ يخفت بعد أن شرعت بعض قوى اليسار في تقديم قوائم منفردة، بينما ما زالت قوى أخرى تدور في دوامة من التيه، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة المشكلة الأعمق: لماذا عجز اليسار حتى الآن عن تحويل القواسم السياسية والفكرية المشتركة بين مكوناته إلى فعل وحدوي قادر على استعادة ثقة الناس؟
فخلال السنوات الماضية، بدا اليسار وكأنه تاه عن بوصلته. غرق في الخلافات الداخلية والحسابات الصغيرة والصراع الفئوي، وأصبح في كثير من الأحيان أسير ردود الفعل، بينما تراجع حضوره في القضايا التي يفترض أن تكون جوهر مشروعه: الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية وحقوق الفئات المهمشة، والدفاع عن المشروع الوطني والتمثيل الفلسطيني الموحد تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ومواجهة محاولات اختطاف هذا المشروع واختزاله وارتهانه في سوق المرابحات والاجندات الإقليمية.
ومن هنا، فإن السؤال في هذه اللحظة ليس فقط: كيف سيشارك اليسار في الانتخابات؟ بل: بأي مشروع سياسي واجتماعي سيشارك؟ وماذا سيقول للناس؟
فالمشاركة بقائمة تحمل أسماء يسارية، في ظل حضور سياسي وتنظيمي بات باهتًا، ومن دون برنامج واضح، قد تتحول إلى مجرد تسجيل حضور انتخابي. كما أن تشكيل قائمة على أساس المحاصصة التنظيمية لن يعالج أزمة اليسار، بل قد يعيد إنتاجها بصورة أخرى.
المطلوب اليوم قائمة موحدة لليسار، لا كتحالف انتخابي شكلي، بل كإطار سياسي يستند إلى برنامج وطني ديمقراطي اجتماعي واضح، وينفتح على شخصيات مجتمعية مستقلة تحظى باحترام الناس، وتمتلك الكفاءة والحضور والنزاهة.
وعلى هذه القائمة أن تجيب بوضوح عن أسئلة جوهرية: كيف نحمي المشروع الوطني؟ وكيف نعزز الديمقراطية والتعددية والحريات؟ وكيف نستعيد وحدة الولاية السياسية والقانونية على أراضي دولة فلسطين في مواجهة مخططات الضم والتهجير والاستيطان؟ وكيف نواجه الفقر والبطالة والتهميش والتمييز؟ وماذا سنقدم للمرأة والشباب والمزارعين الذين تهدد مصادرة أراضيهم مستقبلهم؟
كما عليها أن تضع في صلب برنامجها أوضاع أهلنا في قطاع غزة، والنازحين في الخيام ومراكز الإيواء، وأهلنا في مخيمات شمال الضفة، والعمل على تعزيز صمودهم فوق أرضهم، والبناء على ما تحقق في مسار الاعتراف الأممي بدولة فلسطين، دون العودة إلى مربعات المرحلة الانتقالية أو فتح ثغرات للالتفاف على منظمة التحرير ومكانتها التمثيلية.
هذه ليست أسئلة انتخابية عابرة، بل قضايا تمس جوهر المشروع الوطني والاجتماعي الذي يفترض أن يكون اليسار حامله الأساسي.
ولذلك، فإن دخول الانتخابات بقائمة موحدة ينبغي ألا يكون مجرد ترتيب انتخابي مؤقت، بل خطوة باتجاه استعادة الدور السياسي والاجتماعي للتيار اليساري، وإعادة بناء علاقته بالمجتمع وقضاياه، وتجاوز حالة التشرذم التي أضعفت حضوره وتأثيره.
وطالما قررت قوى اليسار خوض الانتخابات، فلتدخلها بقائمة موحدة، وهوية فكرية وسياسية واضحة، وبرنامج واضح، وانفتاح حقيقي على المجتمع، بعيدًا عن المحاصصة والحسابات التنظيمية الضيقة.
ولعل الأيام والأسابيع المقبلة تحمل من التطورات ما قد يفرض إعادة النظر في المواعيد والترتيبات القائمة، أو يفتح نافذة زمنية إضافية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. وإذا حدث ذلك، فلا ينبغي أن ينظر اليسار إلى أي تأجيل محتمل باعتباره مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب القوائم، بل باعتباره فرصة لمراجعة الذات، وترميم ما تصدع، وتوحيد الصفوف، واستعادة البوصلة.
فإن امتدت المهلة، فلا يجوز أن تمتد معها حالة التيه. وإن تأجلت الانتخابات، فلا ينبغي أن يتأجل معها النهوض المطلوب. بل لعل أي فسحة زمنية إضافية تكون فرصة لليسار كي يصحو من غفوته، وينهض من كبوته، ويعيد اكتشاف ما يجمعه قبل أن يبحث عما يفرقه.
لقد آن الأوان لمراجعة حقيقية. فالتاريخ النضالي، على أهميته، لا يكفي وحده لاستعادة ثقة الناس، والشعارات لم تعد كافية. المطلوب يسار ديمقراطي في ممارسته، وطني في رؤيته، اجتماعي في خطابه، ومنفتح على المجتمع، وقادر على مخاطبة قضاياه الحقيقية.
فالسؤال اليوم ليس فقط: هل يستطيع اليسار تشكيل قائمة موحدة؟
السؤال الأهم: هل يستطيع أن يستعيد بوصلته، ويستعيد معها دوره السياسي والديمقراطي والاجتماعي، قبل أن يصل إلى صناديق الاقتراع؟
3-10-2026