حماية شجرة الزيتون مسؤولية محلية قبل ان تكون مسؤولية دولية !!
صاحب المعالي البروفسير رزق سليمية وزير زراعة السلطة الفلسطينية اصدر قرارا ، جرى تعميمه على جميع الجهات ذات العلاقة والاختصاص ، عن موعد موسم قطاف الزيتون في فلسطين ، وذلك - حسبما ورد في نص القرار - بناءا على الصلاحيات المُخولة له "قانونيا" ، وفي ضوء المُؤشرات والمُعطيات الفنية حول محصول الزيتون للموسم الزراعي الحالي ، وبناءا على توصيات الفنيين والمُختصين في الوزارة والجهات ذات العلاقة والخبراء بالقطاع ، اعلن فيه عن بدء موسم قطف الزيتون في التاسع من الشهر الجاري في جميع محافظات الوطن ، مُجيزا للمدراء العامين تأخير الموعد حسب ما تقتضيه " المصلحة العامة وظروف المنطقة " !! وبنود اخرى في ذات الشأن !!
شجرة الزيتون التي يعود تاريخها الى الاف السنين في فلسطين لها ابعاد عدة : رمزية واقتصادية ودينية ، وتُعد أكثر من مجرد نبات زراعي ، فهي رمز عميق يتجاوز قيمتها الغذائية والمادية ، ليصل إلى صميم الهوية الوطنية والتراث والوجود الفلسطيني المُتجذر ، تمتدُ جُذورها لاجيال عديدة ، وتُجسد مفهوم الصمود والتمسك بالأرض في مواجهة محاولات الاقتلاع والتهجير، وترتبط في الوجدان الإنساني والديني بالسلام ، وتقف في الوقت نفسه شاهد صامت على المقاومة والتحدي ، وتُعتبر شجرة مُباركة ومقدسة ، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الشريفة ( والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الامين ) . صدق الله العظيم ، اضافة الى ان موسم قطف الزيتون يُعد ابو المواسم في فلسطين ، ويُمثل حدثاً اجتماعياً وثقافياً جامعا ، تتوارثه الأجيال ، ويرتبط بمُنتجات محلية عريقة غير زيت الزيتون ، هناك ايضا صناعة الصابون النابلسي .
ابعاد يرى فيها الاحتلال عدوا صريحا غير التاريخ لروايته وسرديته ، التي يبنيها على الزيف والخداع ، ومن هنا تاتي هذه الشجرة المُباركة في صلب الاستهداف المُباشر والنيل منها ، فقد عمد الاحتلال منذ احتلاله الضفة الغربية عام 1967 الى حرق واقتلاع الاف الاشجار ، واغراق ما لم يتمكن من اقتلاعه بالمياه العادمة او رش جذورها بالمواد السامة .
قُبيل انطلاق الموسم الحالي لقطف الزيتون 2026 -2027 ، افلتت قوات الاحتلال وتحت أعينها ، وخاصة في مناطق جنوب محافظة نابلس ومحافظة سلفيت ومحافظة رام الله والبيرة ، قطعان المستوطنين ، ليعيثوا خرابا واستهدافا لاشجار الزيتون ، من حرق وسرقة للثمار، تخخله اطلاق الرصاص الحي على المُزارعين ، وما كان تدخل قوات الاحتلال الا ليمنع المزارعين من مواصلة عملهم واطلقت قنابل الغاز والصوت باتجاههم ومصادرة ادوات قطاف الزيتون وتحطيم المركبات واعتقال بعضهم .
هيئة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية قدرت الخسائر خلال ايلول الماضي فقط باكثر من 14600 شجرة تضررت بفعل عدوان قطعان المستوطنين وقوات جيش الاحتلال ، والاخطر من ذلك ، الامر العسكري الصادر عن قيادة جيش الاحتلال في الضفة الغربية بمنع المزارعين من قطاف زيتونهم في المناطق المُصنفة ( ج ) حسب اتفاقية اوسلو ، والتي تُشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية ، والتي تحتضن ايضا اكثر من ثلثي الاراضي المزروعة باشجار الزيتون !!
في ضوء ما سبق ، ما القانون الذي يستند عليه صاحب المعالي البروفسير سليمية في قراره السالف الذكر؟ هل القانون الفلسطيني ام الامر العسكري الاحتلالي ؟ وهل هناك مُعطيات ومُؤشرات اخطر من تلك المذكورة اعلاه ؟ وما الذي يحتاجه قاطفي الزيتون ليجتازوا ما تعصف بهم من محن ؟ وهل بالامكان تقديم شيء من المساعدة لهؤلاء الذين ينتظرون ابو المواسم من السنة الى السنة ، ويُشكل جزءا كبيرا من سُبل عيشهم ، في ظل الازمة الاقتصادية التي تعصف بالاراضي الفلسطينية عامة ، فيما يُقوض عنف المستوطنين والقيود الاحتلالية المفروضة على الوصول للاراضي ؟
صديقي المزارع محمود حديديون ابن بلدة ابوديس المقدسية ، كان قد حدثني وهو صاحب خبرة طويلة في هذا الشان في وقت سابق ان موسم قطاف الزيتون يحتاج الى خريطة ميدان لا قرارات وزارية وبيانات صحفية ، ففي كل عام تعود إلى الواجهة البيانات الرسمية الصادرة عن الاجتماعات التي تعقدها اللجان والجهات المعنية لحماية المزارع وتسهيل وصوله إلى أرضه ، غير أن النبرة التقليدية لهذه الاجتماعات لم تعد تُجد نفعاً أمام مُطيات واقع يتطلب آليات مختلفة تماماً ، واقع لا يتأثر بالوعود الواردة في البيانات ، بل يعتمد على ما يتحقق فعلياً بين الأشجار وفي قلب الحقول ، ان قطاف الزيتون يمثل خط الدفاع الأول عن الأرض ، لا يُدار من خلف الطاولات والزي الرسمي في الغرف المغلقة ، بل يبدأ من التواجد المباشر في الميدان ، وحضور المسؤول واللجان المختصة والمتطوعين جنبًا إلى جنب مع المزارع تحت أشعة الشمس وفي المناطق المُتاخمة للبؤر الاستيطانية والجدار الفاصل ، يمنح الإجراءات بُعدها الحقيقي ، إن حماية موسم الزيتون وتعزيز صمود المزارع على أرضه يتطلبان الانتقال الكامل من إطار التوجيه الإداري إلى إطار الفعل الميداني المباشر، الخريطة والخطة العملية والوجود بين الناس هي أدوات العمل الحقيقية التي يحتاجها الموسم لتثبيت المواطن في حقله وصيانة ثمرة جهده .
السلطة بكل اجهزتها والفصائل بكل مكوناتها باستطاعتها حشد قواها ، وقبل ان تكون حماية الزيتون مسؤولية دولية ، هي مسؤولية محلية بحتة ، فكما يجري حشد الجموع في ما يُسمى المُجمعات الانتخابية ، لم لا يتم حشدها في حقول المزارعين ومُساعدتهم بالتصدي جنبا الى جنب لقُطعان المستوطنين ، الامر الذي من شانه ان يُعزز من نبرة التحدي ، ولعل هذا الشكل من المُساعدة يُمثل شكلا من اشكال المُقاومة الشعبية التي طالما دعا اليها الرئيس محمود عباس في مُناسبات مُختلفة ، وتتقاعس الفصائل عنها ، وبالموازاة مع توثيق اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال لتقديمها للمجتمع الدولي ، وعوضا عن لقاءات تشتعل بها الالنسة بخطابات رنانة لم تعد تُجد نفعا ، لتحتشد وتتشابك الايادي من المسؤول الى الغفير معا في قلب الحقول ، ما من شان ذلك أن يحد من فساد قطعان المستوطنين ، ويردعهم ويعرقل وصولهم اليها ، ومن ناحية اخرى العمل على تشكيل وتفعيل لجان الطوارئ والحماية في القرى والبلدات المُهددة لتنظيم فزعات شعبية وتواجد جماعي مع المزارع ، بمُساندة متضامنين محليين ودوليين ان كان مُمكنا ، وبامكان السلطة ايضا دعم المزارعين عبر توفير وسائل النقل والمعدات اللازمة للقطف السريع في المناطق الخطرة ، وهو ما يُعتبر اكثر فاعلية وجدوى من تسيير مركبات مواكب حراسة المسؤولين .