كيف بادرت فلسطين لايقاف الحرب بين السعودية واليمن عام 1934؟
كيف بادرت فلسطين - المنقسمة على نفسها وتحت الاحتلال –
لايقاف الحرب بين السعودية واليمن عام 1934؟
ولماذا فقدنا روح المبادرة هذه الأيام؟
في العام 1933 اندلعت حرب ضروس بين المملكة العربية السعودية بقيادة الملك عبد العزيز ابن سعود والمملكة المتوكلية اليمنية بزعامة الإمام يحيى حميد الدين العلوي الزيدي (جد الحوثيين). بدأت الحرب كنزاع عسكري حدودي على مناطق عسير ونجران وجازان، وانتهت بتوقيع معاهدة الطائف في منتصف العام 1934.
جاءت تلك الحرب على خلفية نزاعات تاريخية متجذرة، منذ تحولت الإمارة الإدريسية في جازان إلى الحماية السعودية ثم انضمت بشكل كامل ألى المملكة العربية السعودية في العام 1930. ولكن بين عامي 1932 و1933 تمرد الأدارسة على الملك عبد العزيز، وبعد فشل تمردهم لجؤوا إلى اليمن في ضيافة الإمام يحيى.
في ابريل 1933 تقدّمت قوات الإمام يحيى إلى مناطق سعودية في جازان ونجران، وقام الجيش اليمني باحتلالها مما دفع السعودية للرد عسكرياً لاستعادة تلك المناطق. نشبت المعارك في جبهات مختلفة، حيث تقدم الجيش السعودي واستعاد السيطرة على نجران وجازان وتقدم داخل الأراضي اليمنية وسيطر على مدن تهامة الساحلية مثل الحديدة وحرض وميدي.
أثارت هذه الحرب مخاوف النخب العربية والإسلامية الوطنية في مصر وبلاد الشام باعتبارها تمزيق لوحدة شبه الجزيرة العربية وإضعاف للعالم العربي أمام القوى الاستعمارية ... وكان على رأس المتخوّفين في فلسطين الشيخ موسى كاظم الحسيني (الذي قارب الثمانين) رئيس اللجنة التنفيذية المنتخبة من قبل المؤتمر الفلسطيني السابع منذ عام 1928 وزعيم الحركة الوطنية في فلسطين بلا منازع منذ أن رفض (كرئيس لبلدية القدس) أن يعترف بتصريح بلفور أو يقبل بادخال اللغة العبرية لغة رسمية في البلدية، فأقاله البريطانيون ... فاحتضنه أبناء شعبه ونصّبوه زعيماً لهم... كذلك تخوّف الحاج امين الحسيني (الذي لم يكن قد تجاوز الـ 36 عاماً آنذاك) وكان مفتياً للقدس منذ مايو 1921، ورئيساً للمجلس الاسلامي الأعلى (يناير 1922) ورئيس اللجنة التفيذية للمؤتمر الاسلامي العام الذي انعقد في القدس في ديسمبر 1931 بحضور زعماء من 22 دولة مسلمة (سنية وشيعية) من آسيا وأفريقيا وأوروبا.
في الوقت الذي اندلعت الحرب اليمنية – السعودية، كان الشيخ موسى كاظم الحسيني مُنشغلاً من جهة بمحاولة توحيد القوى السياسية الفلسطينية المتصارعة بين وطنيين "مُتشددين" (بقيادة تيار "المجلسيين" المؤيد للحاج أمين) و"مُعتدلين" مُعارضين لسياسة الحاج أمين (بزعامة راغب النشاشيبي وثُلّة من رؤساء البلديات المُعيّنين). ومن جهة أخرى كان على موسى كاظم أن يُعدّ ويقود تظاهرات كبرى ضد الهجرة اليهودية المتزايدة التي سهّلت لها بريطانيا وبخاصة بعد تبوّء الحزب النازي الحكم في ألمانيا في العام 1933. ومن جهة ثالثة، كان موسى كاظم يفكّر بكيفية التدخل لايقاف ذلك النزاع المسلح الذي بدأ بين اليمن والسعودية، فقد كان موسى كاظم باشا - أيام الدولة العثمانية - حاكماً (مُتصرفاً) على منطقة عسير السعودية التي تبعت اليمن تاريخياً، وكذلك منطقة نجد حيث نشأ الملك عبد العزيز وترعرع وبنى دولته الحديثة ويعرف القادة المتحاربين معرفة شخصية. ولكن، في أكتوبر 1933، خلال قيادته لتظاهرة كبرى في يافا، ضربه أفراد من الشرطة البريطانية بهراواتهم على الرأس مما سبب له نزيفاً (بطيئاً) على الدماغ أدّى إلى تراجع تدريجي في حالته الصحيةّ. وفي مارس 1934 توفي موسى كاظم الحسيني!
بعد وفاة موسى كاظم، وجد الحاج أمين الحسيني نفسه في الواجهة السياسية، ورغم أنه كان مُنتحياً عن الواجهة السياسية خلال الأعوام السابقة، إلا أنه– بين هبتي النبي موسى (عام 1920) والبراق (عام 1929) - كان مستعداً لمواجهة المشروع الصهيوني الذي أخذ يتبلور على أرض فلسطين. ورغم أنه لم يكن قد تجاوز عامه السابع والثلاثين إلا أنه كان قد أصبح زعيماً وطنياً وعربياً واسلامياً يُشار إليه بالبنان، وكان عليه (بعد وفاة موسى كاظم) أن يجمع في شخصه القيادة القطرية للشعب الفلسطيني إلى جانب دوره في قيادة العمل القومي والاسلامي في الشرق العربي ضد الاستعمار والصهيونية.
مباشرة بعد الجنازة المهيبة لموسى كاظم الحسيني في بداية مارس 1934 ودفنه في الحرم القدسي الشريف الى جوار الملك (الشريف) الحسين بن علي (والحق يُقال، فقد ضحّى الملك الحسين بعرش الحجاز على أن يقبل بادخال تصريح بلفور على المعاهدة التي اقترحتها بريطانيا على مملكة الحجاز) بادر الحاج أمين الحسيني لوقف نزيف الدم في الجزيرة العربية الذي أخذ يشتد ويتعمّق. وانطلاقاً من مكانته كرئيس للمؤتمر الإسلامي العام شكّل وفداً برئاسته وعضوية ثلاثة من كبار الشخصيات الفكرية والسياسية في العالم العربي هم
الأمير شكيب أرسلان، الكاتب والمفكّر العربي (وهو من أصل درزي لبناني) وواحداً من كبار دعاة الوحدة الإسلامية والوحدة العربية. وكان من أشهر كتبه "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، و"حاضر العالم الإسلامي".
هاشم بك الأتاسي، الذي كان الملك فيصل الأول قد كلفه بتشكيل حكومة المملكة السورية فشكلها في 2 مايو 1920، وبذلك كان ثاني من شغل منصب رئيس الوزراء في سوريا، غير أن عمر حكومته كان قصيرًا بسبب احتلال الفرنسيين دمشق في يوليه 1920. كما أصبح رئيساً للكتلة الوطنية في سوريا ورئيس الجمهورية السورية في ديسمبر 1936 ولاحقاً في ديسمبر 1949.
محمد علي علوبة باشا، المحامي المصري من أعضاء الوفد المصري إلى بريطانيا عام 1918، ومن مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين عام 1924، وتولى وزارة الأوقاف عام 1925 والمعارف عام 1926 والتربية والتعليم عام 1936.
وصل وفد "الصلح" إلى جدة في بداية شهر أبريل 1934، وتنقّل بين القيادتين السعودية واليمنية لتقريب وجهات النظر. وقد اجتمع الحاج أمين الحسيني وأعضاء الوفد بالملك عبد العزيز آل سعود في قصره بمكة المكرمة (قصر المعابدة)، وبعد أن لمسوا رغبة في حقن الدماء والصلح الشامل دون نية لضم أراض بالقوة، والرغبة بتثبيت الحدود وتأمينها، عمل الوفد في تذليل العقبات السياسية والدبلوماسية والتوسط في صياغة الشروط الأساسية لإنهاء الحرب بين المملكة المتوكلية في اليمن والمملكة العربية السعودية حتى تم الوصول إلى صيغة ارتضاها الطرفان.
تكللت جهود الوساطة التي قادها وفد المؤتمر الاسلامي العام باعلان معاهدة الطائف في مايو 1934 التي نصّت على وقف العمليات العسكرية فوراً وإعلان السلم الدائم بين البلدين، وانسحاب الجيش السعودي من المناطق التي احتلها داخل العمق اليمني (مثل مدينة الحديدة وحجة) وترسيم الحدود بحيث تظل مناطق نجران وجازان وعسير تحت السيادة السعودية، مع إقرار قواعد لحسن الجوار وتنظيم تنقل وسكن وإقامة رعايا البلدين. كما كرست المعاهدة اعتراف اليمن بالسيادة السعودية على عسير وجيزان ونجران، ضمن اتفاق يُجدد كل 20 عاماً. كما نُظمت العلاقة بين المناطق الحدودية، وأتاحت لسكان البلدين الإقامة والعمل عبر الحدود.
في الأشهر (والسنوات) ما قبل تحقيق الصلح في شبه الجزيرة العربية، كانت المعارضة الفلسطينية (التي ادّعت قياداتها ارتباطها بمصلحة الوطن لكن مصالحهم الشخصية كانت مرتبطة بالانتداب) تشنّ هجمات اعلامية على الحاج أمين وسياسته "المتطرفة" ضد بريطانيا والحركة الصهيونية. ففي حديث للصحافة عام 1924 اتهمه أحد منافسيه الشيخ أسعد الشقيري (وكان يكبره بـ 37 عاماً) بأنه "دأب على المتاجرة بالدين ... وكان يرمي إلى جمع الدراهم من العالم الاسلامي باسم عمارة وزخرفة المساجد والمعابد ثم صرف ذلك على الرسم والتصوير وإيجاد موارد لمن لا عمل لهم من الأخصّاء مع أن هذه الأشياء من الكماليات التي يمكن تأجيلها إلى ما بعد تأمين الحاجيات الضرورية للبلاد." أما زعيم "المعارضة" ورئيس بلدية القدس راغب النشاشيبي (وكان يكبر الحاج امين بـ 16 سنة) ومن ورائه عدد من رؤساء البلديات الكبرى وبعض كبار الملاك والتجار ممن عُرفوا باسم "المعارضة"، فنشر في ديسمبر 1931 بياناً جاء فيه أن "الحاج أمين ومن معه لا يُمثّلون مُسلمي فلسطين كلهم" وبأنه بناء على ذلك، قرر زعماء المعارضة عقد مؤتمر اسلامي منافس أسموه "مؤتمر الأمة الإسلامية" (في فندق الملك داود بالقدس) وذلك خلال انعقاد المؤتمر الإسلامي العام الذي جاء لحضوره 25 وفداً يمثلون كبار العلماء الوطنيين المسلمين من أكثر من 22 دولة مسلمة ... وقد كان الهدف الأساسي للداعين لـ"مؤتمر الأمة الاسلامية" هو مناوئة "المؤتمر الاسلامي العام" والتخريب على احد أهم المبادرات الوطنية للحاج أمين والمجلسيين. وفي فبراير 1932، أصدر ثلاثة من قيادات "مؤتمر الأمة الإسلامية" بياناً اتهموا الحاج أمين بانتهاكه للاماكن المقدسة "من تحويل مساجد الى مخازن او دور للسكن ومن تغيير معالم مقابر الشهداء والعلماء والصالحين..."
ولكن عندما عاد وفد السلام المُمثل للمؤتمر الاسلامي العام من الطائف إلى القدس (في يوليه 1934) بدا أن موقف المعارضة قد تغيّر، فكتبت جريدة فلسطين (التي كانت مقرّبة من المعارضة) أن الوفد قد "وُفّق في مهمته الخطيرة في سبيل السلام في الجزيرة"، وأشادت الصحف بالحاج امين على صفحاتها الأولى ونشرت صوراً لأعضاء الوفد واصفة أياهم بالنجاح الكبير "في ايقاف الحرب بين المملكة السعودية والمملكة اليمنية، واستطاعوا – في الوقت نفسه – الترويج لفلسطين وقضيتها في الجزيرة العربية".
خلاصة القول ...
أولاً - لقد ساهمت مبادرة الصلح التي خطط لها – وقادها - الفلسطيني الحاج امين الحسيني– بدعم من اللبناني الشيخ شكيب أرسلان والسوري هاشم بك الأتاسي والمصري محمد علوبة باشا - في ايقاف حرب "عبثية"، وكذلك رفع اسم فلسطين (المُعرّضة للتهويد) عالياً.
ثانياً - والأهم من هذا وذاك، فقد قلبت مبادرة وفد الصلح المعادلة السياسية في فلسطين لصالح الحركة الوطنية، فأجمع العدو قبل الصديق على قدرات الحاج أمين كزعيم جديد لفلسطين يقود معركتها ضد الحركة الصهيونية من جهة والاحتلال البريطاني من جهة أخرى.
ثالثاً - بالرغم من كل المناكفات والمناكفين الفلسطينيين مُدّعي الوطنية والمصلحة العامة في العام 1934 وما قبل، فقد استطاعت مبادرة الحاج أمين لتحقيق الصلح بين دولتين عربيتين، أن تصيب "عدة عصافير بحجر واحد"، فقد وضعت فلسطين على الخارطة العربية والاسلامية، وحققت انجازاً كبيراً لصالح العرب، وأعادت توحيد الشارع الفلسطيني وتوجيه الأنظار نحو العدو المتربص في فلسطين. بل اضطرت صحف "المعارضة" - التي كانت تشتم الحاج امين وتقلل من شأنه - أن تعترف بمبادرته الهامة إلى جانب قدرته على قيادة النضال الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني والاحتلال البريطاني، وبأنه الوحيد الذي يستطيع توحيد الشعب ضد تهويد فلسطين بعد وفاة موسى كاظم. بل نشرت جريدة فلسطين المؤيدة للمعارضة افتتاحية بعنوان "وفد السلام" في 11/7/1934، كتبها يوسف حنا (مدير التحرير) مخاطباً الحاج أمين بقوله :
"... اليوم تعودون من رحلتكم ... والبلاد [بعد وفاة الشيخ موسى كاظم] لا رأس لها يُعرف، وقد خذلها شبانها شر خذلان وأصبحت قضيتها أضيع من الفضيلة في أفواه السفهاء والأمة يحارب بعضها بعضا، فما عساكم فاعلين للقضية الوطنية في داخل البلاد لا في خارجها؟ لسنا نتملقكم ولكننا نقرر الحقيقة حين نقول بأنكم أنتم وحدكم تستطيعون جمع شتات هذه الأمة المُتخاذلة والسير بها إلى حيث تنال مطالبها، فهل لنا أن نرجو منكم العمل لفلسطين في فلسطين وإنقاذها مما تبلوه من انقسام في داخلها؟"
رابعاً - بالتأكيد، إن تاريخ الصمود والمقاومة الاسطورية للشعب الفلسطيني عبر أكثر من قرن من الزمان ومقارعته للاحتلال في غزة والضفة وبتضحياته الجسام مليء بالمبادرات العظيمة التي ثبّتت وجودنا على أرضنا وفرضت حقنا في وطننا التاريخي على العالم كله ... ولكن إلى جانب كل هذا النضال المُضني والمُرهق الذي يعاني شعبنا منه، يبدو أن جعبتنا قد نضبت من المبادرات الخلاقة... فهل تستطيع قيادتنا في المرحلة القادمة أن تصبّ جُلّ تفكيرها وحنكتها السياسية في التخطيط لمبادرات (أو حتى استغلال مناسبات وانتهاز فرص) تستطيع من خلالها إعادة اسم فلسطين إلى قمة الهرم؟
خامساً – لذلك، على القيادة الفلسطينية اليوم ألا تتخلّى أبداَ عن روح المبادرة فتبدو مريضة عاجزة، ليس لديها من أوراق القوة عدا هذا الصمود الاسطوري الذي لم يتخلى شعبنا عنه منذ العام 1918. وفي هذا السياق، فالمبادرة لا تعني فقط القيام بعمل ايجابي لابقاء الضوء مسلّطاً على القضية ولكنها تعني أيضاً القيام بأي مبادرة - حتى لو كانت سلبية - من شأنها تسليط الضوء على شعبنا ومآسيه، وعلى حقه وتطلعاته المستقبلية.
سادساً – ولذلك أيضاً، ونحن على أبواب الانتخابات هذه الأيام، فمن المهم أن يتم ترشيح/انتخاب أشخاص محنّكين يعرفون (بخلاف ما حصل عام 2006) كيف يخططون لمبادرات (ايجابية أم سلبية) ترفع من شأن فلسطين، وكيف يستغلون المناسبات وينتهزون الفرص لابقاء القضية الفلسطينية حيّة وفاعلة في الأجندة العربية والاسلامية والدولية وفي ضمائر الشعوب المحبة للعدل والسلام.
سابعاً - وبالمقابل، على شعبنا أن يعمل على إفشال اولئك الأشخاص الذين هم في تصرفاتهم أقرب إلى قوى "المعارضة" قبل النكبة الذين ربطوا مصالحهم الشخصية بالانتداب البريطاني وأسسوا فصائل السلام لمحاربة الثوار خلال الثورة الكبرى بين أعوام 1936-1939... فهؤلاء المرتبطون مصلحياً بالاحتلال – كما معظم من كانوا من تيار "المعارضة" قبل النكبة - سيدّعون الوطنية والواقعية والمصلحة العامة ولكنهم في الحقيقة سيبحثون عن مصالحهم الشخصية ولن يستطيعوا القيام بأية مبادرات تضّر بمصالح أعداء الوطن.
وفي النهاية - حبذا لو تستطيع قياداتنا القيام بمثل مبادرة الـ 1934 في هذه الأيام التي تشتعل فيها الحرب من جديد بين السعودية واليمن وحروباً أخرى بين العديد من الدول العربية والاسلامية وينقسم فيها الشعب الفلسطيني على نفسه ... فتوحدنا تلك المبادرات وتخرجنا من الهوة وترفع من شأننا عربياً واسلامياً وعالميا.