خاص | الزيتون في مواجهة الاستيطان.. حرب على الأرض ومصدر الرزق والهوية

2026-10-05 20:24:54

تتواصل اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين وموسم قطف الزيتون في مناطق واسعة من الضفة الغربية المحتلة، وسط حماية ومساندة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد يصفه الكاتب والباحث مفيد جلغوم بأنه "حرب حقيقية على الزيتون" ومصدر رزق آلاف العائلات الفلسطينية.

وقال جلغوم، خلال حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، إن موسم الزيتون الحالي يعد من أكثر المواسم سخونة مقارنة بالسنوات السابقة، مشيراً إلى أن الاعتداءات لم تعد تتركز في مناطق محددة، وإنما امتدت إلى مختلف المواقع الفلسطينية.

وأوضح أن ما يجري يشمل مناطق جنوب نابلس، وريف رام الله الشرقي، وريف بيت لحم الشرقي، إلى جانب مناطق أخرى في الضفة الغربية، مؤكداً أن المزارع الفلسطيني بات يواجه اعتداءات المستوطنين في ظل حماية يوفرها جيش الاحتلال.

وأضاف أن المستوطنين أخذوا، خلال الموسم الحالي، "نفساً أقوى" مقارنة بالسنوات السابقة، وصعّدوا من اعتداءاتهم على المزارعين وقطاف الزيتون، الأمر الذي يضع الفلسطيني أمام قوتين في وقت واحد، على حد تعبيره.

تصاعد الاعتداءات واتساع نطاقها

وأشار جلغوم إلى أن الاعتداءات الأخيرة تؤكد تصاعد وتيرة الاستيطان بصورة متسارعة، معتبراً أن ما يحدث يأتي ضمن حملة أوسع مرتبطة، وفق تقديره، بأجندات الحكومة الإسرائيلية وسياساتها الاستيطانية.

وقال إن عمليات مصادرة الأراضي شهدت تصاعداً كبيراً، بالتزامن مع اقتلاع الأشجار المثمرة وحرق أشجار الزيتون ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، إضافة إلى سرقة ثمار الزيتون.

ولفت إلى أن اقتلاع أشجار الزيتون قبل موعد قطافها بفترة قصيرة يمثل تطوراً خطيراً في حجم الاعتداءات، مشيراً إلى أن استخدام الجرافات لاقتلاع الأشجار في هذا التوقيت يعكس، بحسب وصفه، مستوى غير مسبوق من التصعيد.

وتحدث جلغوم عن حالات لسرقة محصول الزيتون، مشيراً إلى أن بعض المستوطنين يوثقون وينشرون عبر منصات التواصل الاجتماعي عمليات سرقة الثمار، في مشهد يعكس اتساع نطاق الاعتداءات خلال موسم القطاف.

كما أشار إلى اعتداءات طالت مزارعين في مناطق مختلفة، من بينها أماتين شرق قلقيلية، والمنطقة الشرقية لرام الله، حيث أصيب الشاب أحمد مازن كحلة واعتقل، وفق ما جرى تداوله بشأن الحادثة، أثناء وجوده في المنطقة خلال موسم قطف الزيتون.

استهداف شجرة الزيتون يتجاوز البعد الاقتصادي

ويرى الباحث أن استهداف الزيتون لا يقتصر على محاولة الإضرار بمصدر دخل المزارعين، وإنما يتجاوز ذلك إلى استهداف رمز راسخ في الوعي والهوية الفلسطينية.

وقال إن شجرة الزيتون تحتل مكانة عميقة في حياة الفلسطينيين، باعتبارها من أكثر الأشجار انتشاراً وزراعة في فلسطين، ومرتبطة تاريخياً بالأرض والتمسك بها.

وبحسب الأرقام التي أشار إليها جلغوم نقلاً عن وزارة الزراعة الفلسطينية، فإن عدد أشجار الزيتون المزروعة في فلسطين يتجاوز 13 مليون شجرة، من بينها أكثر من 10 ملايين شجرة مثمرة.

وأضاف أن التقديرات تشير إلى أن إنتاج الموسم الحالي قد يصل إلى نحو 22 ألف طن، مقارنة بنحو 7 آلاف طن في الموسم السابق، ما يعني أن الموسم الحالي يحمل مؤشرات على إنتاج وفير مقارنة بالموسم الماضي.

وأوضح أن هذا الإنتاج يمثل مصدراً أساسياً للدخل بالنسبة إلى عدد كبير من المزارعين والأسر الفلسطينية، وبالتالي فإن استهداف الموسم الزراعي ينعكس بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي والمعيشي لهذه العائلات.

محاولة لضرب صمود المزارع

وأكد جلغوم أن الاحتلال يدرك أهمية الزيتون بالنسبة للفلسطينيين، ولذلك فإن استهداف المزارعين والأشجار، وفق تقديره، يندرج ضمن محاولة لضرب ارتباط الفلسطيني بأرضه وزعزعة صموده فيها.

وقال إن الهدف يتمثل في جعل الموسم الزراعي عديم الجدوى بالنسبة للمزارع، بحيث لا تعود الزراعة مصدر دخل أو قيمة اقتصادية، الأمر الذي قد يدفع بعض المزارعين إلى ترك أراضيهم أو الابتعاد عن النشاط الزراعي.

وأضاف أن هذه السياسة لا تستهدف المحصول فقط، بل تسعى إلى التأثير على علاقة الفلسطيني بالأرض، معتبراً أن التضييق الاقتصادي والمعيشي يمثل أحد أدوات الضغط المستخدمة في مواجهة المزارعين.

«الإفقار لا يدفع الفلسطيني إلى التخلي عن أرضه»

وفي رده على تساؤلات حول إمكانية أن تؤدي سياسات الإفقار وتجفيف مصادر الرزق إلى تحقيق الأمن أو الهدوء، أكد جلغوم أن التجربة الفلسطينية على مدى عقود أثبتت عكس ذلك.

وقال إن الظروف الاقتصادية الصعبة أو الضيق المعيشي لم تكن في أي وقت سبباً في تخلي الفلسطينيين عن المطالبة بحقوقهم، مشدداً على أن ارتباط المزارع الفلسطيني بأرضه لا يتوقف على مستوى دخله أو حجم إنتاجه.

وأضاف أن الفلسطيني "متمسك بأرضه"، وأن محاولات دفعه إلى ترك الزراعة أو مغادرة الوطن لن تحقق الهدف المنشود، بحسب تقديره.

واستشهد جلغوم بشجرة الزيتون نفسها باعتبارها نموذجاً للصمود، موضحاً أن قطع الشجرة أو إحراقها لا يعني نهايتها، إذ يمكن أن تعود للنمو بعد فترة، ثم تستعيد قدرتها على الإثمار.

وختم بالقول إن الفلسطينيين، على غرار شجرة الزيتون، يمتلكون قدرة على الصمود والتجذر في أرضهم رغم محاولات الاقتلاع والضغط.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يتواصل فيه موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية وسط تصاعد الاعتداءات على المزارعين والأراضي الزراعية، ما يضع الموسم أمام تحديات أمنية واقتصادية تتجاوز خسارة محصول زراعي لتطال علاقة المزارع بأرضه ومصدر رزقه.