المعونة في الزيتون والمجاملة في الحصيدة: أيها العابرون، سرقة الموروث لا تجعل من الغزاة أبناء الأرض
في فلسطين، يدخل الناس موسم الزيتون وهم يحملون سلالهم، ويحملون معها سؤالاً ثقيلاً، هل سيصلون إلى حقولهم، وهل يعودون منها سالمين؟ هكذا يجعل الاحتلال أبسط أفعال الحياة مواجهة مفتوحة، ويضع المزارع أمام معركة كان يفترض ألا يخوضها، أن يقطف ثمرة تعبه دون خوف، وأن يمضي نهاره في أرضه دون إذن من أحد. ومع ذلك، يخرج الفلسطيني إلى القطاف، ويخرج معه من جاء للعونة، فتلتقي الأيدي على إنجاز الموسم، وتكتسب المساندة معناها حين تصبح حضوراً إلى جانب من يُراد عزله وتركه وحيداً أمام الاعتداء.
وفي هذا الموسم، يحضر الموروث الثقافي الفلسطيني بكل كثافته، في الكلمات التي تضبط إيقاع العمل، والأدوات التي صقلتها الخبرة، والأمثال التي تختصر حكمة الناس، والطعام الذي يتقاسم تحت الأشجار. هنا تفهم الثقافة بوصفها حياة تمارس، ومعرفة تكتسب بالمشاركة، وقِيماً تظهر في تقديم العون وحفظ حق الجار وتقدير تعب المزارع. ولهذا يحتل موسم الزيتون مكانة تتجاوز مردوده الاقتصادي، فهو مساحة يتعرف فيها الفلسطيني إلى مجتمعه، ويتعلم كيف تتصل كرامة الفرد بكرامة الجماعة. وحين يعتدي المستوطنون على هذا الموسم، فإنهم يستهدفون حياة متكاملة، ويستخدمون العنف لفرض وجودهم على حساب أصحابها. ومن هنا، تظل "العونة" جواباً فلسطينياً بالفعل، كلما حاول الاعتداء تفريق الناس، جمعتهم على إتمام العمل، وحماية حقهم في أن تستمر حياتهم على أرضهم.
ويُعد المجتمع الفلسطيني من المجتمعات التي تجذر فيها "العونة" بالسياق الاجتماعي، العمل التطوعي في السياق الوطني والسياسي بوصفه قيمة اجتماعية وممارسة يومية، نابعة من الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين. حيث يتكاتف أهل القرية والأقارب والجيران لإنجاز الأعمال التي تحتاج إلى تضافر الأيدي، ومساندة من أثقلتهم أعباء الحياة، دون انتظار أجر أو مقابل. وتجسدت العونة بصورة خاصة في موسم قطاف الزيتون،إذ كان الحقل يجمع الناس على تعب مشترك وفرح مشترك، وتغدو ثمرة الزيتون حصيلة جهد تتقاسمه الأيدي وتحفظه الذاكرة. وقد اختصرت المقولة الشعبية الفلسطينية هذا المعنى بقولها "المعونة في الزيتون والمجاملة في الحصيدة"، تعبيراً عن مكانة التعاون في حياة الناس وارتباطه بمواسم الأرض. ومن هذا الإرث يستمد العمل التطوعي الفلسطيني عمقه ومعناه، فالعونة تربط مساعدة الإنسان بحماية رزقه، وتجعل العناية بالأرض مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال كما تتوارث أشجار الزيتون.
ومع ذلك يواجه الفلسطيني اليوم سرقة الموروث الثقافي الفلسطيني على يد المستوطنين ، ذلك المشهد الغير عابر ، بل أصبح جزءاً من مشروع استعماري يستولي على الأرض، ثم يحاول الاستيلاء على تاريخها وذاكرتها وأسماء أصحابها. فبعد مصادرة المكان، تأتي محاولة مصادرة معناه، تنسب الأطعمة والأزياء والأغاني والعادات إلى من سرقها، ويدفع أصحابها إلى الدفاع عن تراث عاشوه وتوارثوه قبل أن يصل المستوطن إلى أرضهم. إنها محاولة لتحويل الفلسطيني من صاحب تاريخ إلى شاهد يُطلب منه إثبات حكايته، وتحويل المستوطن من معتدٍ على المكان إلى وريث مزعوم لذاكرته.
وفي موسم الزيتون، تتكشف هذه السرقة بأوضح صورها، فالاعتداء على المزارعين، وسرقة المحصول، واقتلاع الأشجار، ومنع الوصول إلى الحقول، تضرب رزق الفلسطيني وصلته بأرضه في آن واحد. موسم الزيتون ذاكرة اجتماعية متوارثة، تجتمع فيه العائلة، وتستعاد حكايات الآباء والأجداد، وتنتقل معرفة الأرض من يد إلى يد، كيف تُرعى الشجرة، ومتى تقطف ثمارها، وكيف يحفظ زيتها، وأي اسم يحمله كل حقل. وحين يقتلع المستوطن زيتونة معمرة، فإنه يحاول اقتلاع شاهد على حياة سبقت وجوده، وحين يسرق ثمارها، فإنه يستولي على تعب أصحابها، ثم يتصرف كأن الأرض لم تعرف سواهم.
لكن امتلاك أدوات القهر لا يمنح أصحابها جذوراً، ونهب التراث لا يصنع تاريخاً. فبين من غرس الزيتونة ورعاها وانتظر ثمرها، ومن جاء ليستولي عليها بقوة السلاح، مسافة لا تردمها رواية مزورة ولا صورة مفتعلة في موسم القطاف. ستبقى أسماء الحقول، وذاكرة العائلات، والأغاني التي رافقت العمل، شاهدة على أصحاب هذا الموروث. قد يسرق المستوطن الثمرة والشجرة، لكنه لن يجعل من السرقة أصلاً، ولا من الاستيلاء انتماءً، فالأرض لا تصبح أرضه لأنه طرد أهلها، والتاريخ لا يبدأ يوم وصل إليها.
هؤلاء الغرباء، هؤلاء العابرون… كيف لهم أن يعرفوا أرضاً لم تحفظ وقع أقدامهم، ولم تنادهم أشجارها بأسمائهم؟ ، فهم لا يعرفون الشوال أبو خط أحمر، ولا الشوال أبو خط أزرق، ولا الشوال أبو خط أخضر، ولا المزودة، ولا النقافة، ولا العبية، ولا الجدادة، ولا العراد، ولا المسلة، ولا الخيشة، ولا الخلال، ولا الجاروعة، ولا التبعير، ولا الحلس، ولا المشتيل، ولا الخرج. أسماء قد تمر على مسامعهم بلا صدى، لكنها حين تقال أمامنا تفتح أبواب الذاكرة، وتعيد إلى الأيدي ملمس الأشياء، وإلى الوجوه أصحابها، وإلى الحقول أصوات أهلها.
لم يعرفوا أبا الزعيم وهو يتنقل على حماره في منطقة الحرايق بين القرطة والمارس والشوباصية، وأم القراقع والوقف والجدي ،يحمل القطين والجوافة والعنب والمندلينة، وتسبقه ألفة يعرفها الصغار قبل الكبار. ولم يشهدوا جولات المفاوضات بينه وبين آبائنا الجدّادين، وقد شمّروا عن سواعدهم، يساومونه على المقايضة، "راس براس"، أو "راس ونص براس" ، ترتفع الأصوات،وتتداخل الضحكات، ثم تمضي الحياة على إيقاع موسم يعرف أهله ويعرفونه.
هذا موروث تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل، في العمل، وفي الحكاية، وفي أسماء الأدوات، وفي نداء يتردد بين زيتونة وأخرى. حفظناه بأيدينا قبل أن نحفظه بالكلمات، وحملناه معنا كما يحمل الآباء تعب النهار وخبزه إلى بيوتهم.
لم يعيشوا لحظة يميل حمل الزيتون على ظهر الحمار في طريق الحرايق الضيقة والوعرة، فنهرع إلى إسناده، أو انتظار فلاح لنرفع الشوال من جديد على ظهر الحمار، كأن تعب النهار كله يوشك أن يسقط. ولم يدركهم الغروب وهم ما زالوا فوق رفافيع الزيتون، تتشبث أصابعهم بآخر حباتها، ويناديهم الأهل من أسفلها، فيما ينسحب الضوء ببطء عن الحقول.
هؤلاء الغرباء، هؤلاء العابرون… ماذا يعرفون عن أرض كبرنا في مواسمها، وشاخت أيدي آبائنا على أغصانها؟ لكل شجرة فيها حكاية، ولكل درب وجه، ولكل حجر اسم نناديه به. نحن أهل هذه التفاصيل، منها تشكلت ذاكرتنا، وفيها بقيت وجوه الذين رحلوا. وحين نقول، هذه أرضنا، تتكلم معنا أجيال كاملة، ويشهد لنا زيتون ما زال يحمل آثار أيديها.
لن نترك هذا الموسم يتحول إلى مرثية، ولن نعلم أبناءنا أن علاقتهم بحقوقهم تبدأ بالحسرة وتنتهي بالانتظار. سنأخذهم إلى الحقول، ونضع أدوات القطاف في أيديهم، ونمنحهم فرصة أن يعرفوا قيمة ما يحفظونه بجهدهم، وأن يدركوا أن الانتماء مسؤولية تستدعي الحضور حين يصعب الوصول، والمساندة حين يشتد الخطر. وسنجعل من العونة عهداً ألّا يترك مزارع وحيداً، وألّا تصبح حماية أرضه عبئاً يلقى على كتفيه وحده، فكل يد تمتد إليه تسقط شيئاً من العزلة التي يراد فرضها عليه، وكل موسم يستكمل يحفظ للعائلة قدرتها على مواصلة الحياة. وهذه مسؤولية تتسع للناس والمؤسسات، ولمن يستطيع أن يعين بعمله أو يوثّق بكلمته أو يحمي بحضوره. فالوفاء لمن سبقونا.يقتضي أن نسلّم من يأتون بعدنا القدرة على مواصلة ما بدأوه، وأن نصون الأرض والموروث. لن نمنح الاحتلال خاتمة الحكاية، ولن يكون آخر ما يروى عنا أننا منعنا من الوصول، ستكون لنا تتمة نكتبها بأيدينا، فتحنا الطريق، وأتممنا القطاف، وتركنا لأبنائنا موسماً آخر ينتظرهم.وستظل فلسطين وطناً يعاش،مهما أرادوا لها أن تصبح وطناً يُتذكّر.الله غالب.