نقطة ضوء: الناس تقتل ، والبلد صامتة !
مجازر واعتداءات في مختلف محافظات البلاد . قاطفو الزيتون يعتدى عليهم ويقتلون على الهواء مباشرة ، وتسرق محاصيلهم ، وتقطع أشجارهم ، فيما تتسع دائرة الخوف ، ويشعر الناس أنهم تركوا وحدهم في مواجهة الرصاص والاعتداءات .
وبكى الوطن اليوم وهو يودع الشهيد الضابط علي حسن البزاري من برقة ، شمال نابلس ، الذي قتله المستوطنون بدم بارد . وجرحى بالعشرات، وبيوت ومركبات وأراض زراعية تتعرض للاعتداء ، فيما يبدو المشهد أكبر من قدرة الناس على الاحتمال .
لكن ما يثير الغضب أكثر من الجريمة نفسها هو هذا الصمت الرسمي والسياسي والإعلامي . معقول أننا لم نعد قادرين حتى على إصدار بيان إدانة ؟ معقول أننا لا نستطيع أن نكتب رسالة عاجلة إلى مجلس الأمن ، أو نطلب اجتماعا للجامعة العربية ، أو نخاطب البعثات الدولية ، أو ننظم اعتصامات أمامها في رام الله، عاصمتنا السياسية المؤقتة ؟ .
الناس تقتل في كل مكان ، فأين الوزارات؟ أين السياسيون؟ أين الفصائل؟ أين الإعلام؟ أين المؤسسات التي يفترض أن تتحدث باسم هذا الشعب ، وتدافع عن قضيته ، وتضع العالم أمام مسؤولياته؟ .
الناس بتنطخ، يا جماعة ! في أراضيها ، وفي بيوتها ، وفي مركباتها ، وعلى طرقها ، وبين أشجار زيتونها . ومع ذلك ، يبدو أحيانًا أن صوت الضحية أخفض من أصوات الخلافات السياسية والحسابات التنظيمية .
رام الله مشغولة بالانتخابات ، والناس مشغولة بكيف تحمي أبناءها وأرضها ومحاصيلها . نحن غارقون في القوائم والمقاعد والحسابات ، بينما المواطن يواجه وحده الخوف والقتل والاعتداء . قسمنا المقسم ، ونحرنا الفصائل ، والنقابات، والاتحادات، والشبيبة . ونسينا أن وراء هذه العناوين شعبًا حيا يقتل ويرعب ويهان .
يبحث االمواطن عن تصريح رسمي يدين جريمة وقعت أمام عينيه ، فلا يجده. يبحث عن موقف سياسي يوازي حجم الدم، فلا يجده. ينتظر تحركا دبلوماسيا أو إعلاميا أو شعبيا ، فلا يجده .
شو صاير بالبلد ؟
الشعب يشعر أنه وحيد ، والناس تشعر أنها وحيدة . وهذه ليست مسألة عابرة ؛ إنها أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا يعيش تحت الاحتلال والاعتداء: أن يفقد المواطن إحساسه بأن هناك من يقف إلى جانبه .
لسنا بحاجة إلى خطب طويلة ، ولا إلى بيانات إنشائية . نحتاج إلى فعل سياسي ودبلوماسي وإعلامي وشعبي واضح ، وإلى أن يشعر الفلسطيني في قريته ومزرعته وبيته أن دمه ليس خبرا عابرا ، وأن أرضه ليست شأنا شخصيا ، وأن الدولة ومؤسساتها وفصائلها وإعلامها ترى ما يحدث وتتحرك لمواجهته.
الناس لا تطلب المستحيل.
تريد أن تسمع صوتا عندما تقتل . تريد أن ترى موقفًا عندما تسرق محاصيلها . تريد أن تجد من يحتج عندما تقطع أشجارها. تريد أن تشعر أن وطنها لم ينشغل عنها إلى الحد الذي يجعله لا يجد وقتا حتى لإصدار بيان إدانة.
الناس تقتل ، ورام الله تغط في نوم طويل . والسؤال الأشد إيلامًا هو: من بقي مع الناس؟ الشعب يقول: لا أحد .
عزيزي المواطن، متأسفون: دبّر حالك، دافع عن حالك، وعن أسرتك !
وين وصلتونا يا زعماء البلد؟ لا قادرين تحمونا، ولا تصرفوا علينا، ولا تعالجونا، ولا تعلّموا ولادنا ! .
ملاحظة مهمة:
هذا النص ليس دعوة إلى الفوضى ، ولا تحريضا على أحد . إنه صرخة مواطن يرى أبناء شعبه يقتلون ، وأرضه يعتدى عليها ، ومحاصيله تسرق ، وأشجاره تقطع ، ثم لا يجد أمامه ما يوازي حجم الجريمة من فعلٍ رسمي أو سياسي أو دبلوماسي أو إعلامي . حين يُقتل الناس ، يصبح الصمت مسؤولية ، وحين يشعر المواطن أنه متروك وحده ، يصبح السؤال عن دور الدولة والمؤسسات والفصائل والإعلام حقًا لا يجوز لأحد مصادرته . الناس لا تريد خطبا ولا بطولات على الورق ؛ تريد أن ترى وطنها حاضرا عندما تحتاج إليه . الشعب يبكي وينوح في كل مكان ، لا سامح الله من كان السبب ! .