خطورة المرحلة تتطلب قيادة جماعية إلى حين الانتخابات!!
بات في شبه المؤكد تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مُقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر القادم، بانتظار اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم السبت، والتي من المتوقع أن ترفع توصية إلى الرئيس محمود عباس لإصدار مرسوم التأجيل، وذلك حسب "مصدر فلسطيني"، بعد أن رفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي طلباً فلسطينياً بالسماح للجنة الانتخابات المركزية بدخول قطاع غزة وممارسة عملها، ورفض العمل بالقدس. وترجح مصادر أخرى أن السبب وراء التأجيل هو النتائج "الإيجابية" لجلسات الحوار الوطني بين الفصائل الفلسطينية المُستمرة في القاهرة، والتي باتت قاب قوسين أو أدنى من الاتفاق على تأجيل الانتخابات إلى أجل مُسمى. وحسب ما رشح من معلومات، من المتوقع أيضاً أن يتمخض الحوار عن استراتيجية وطنية تحدد آليات العمل للمرحلة المُقبلة، والتحرك المُستقبلي في ضوء التصعيد الإسرائيلي بحق الأرض والإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بكل الأحوال، بين التأجيل والتمسك بإجراء الانتخابات، يزداد المشهد الفلسطيني تعقيداً؛ ففي الوقت الذي ترى فيه القيادة الفلسطينية والاطار الذي يلتف حولها من الفصائل، وربما فصائل أخرى كانت خارج إطار منظمة التحرير كالجبهة الشعبية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، أن التأجيل بات ضرورة وطنية في المرحلة الراهنة، خاصة أن الحوار الوطني يُراد به ترتيب البيت الفلسطيني، ترى قوى فلسطينية أخرى، خاصة تلك المحسوبة على المجتمع المدني والمنضوية تحت ما يُسمى "الائتلاف الأهلي للرقابة على الانتخابات"، أن الانتخابات ضرورة وطنية ملحّة لا ترفاً سياسياً يمكن تأجيله، وأن الشرعية المُتجددة عبر صندوق الاقتراع هي الرد الفلسطيني على أي ترتيبات تُفرض من الخارج، والطريق لاستعادة القرار الوطني المستقل وإعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مؤسسات مُنتخبة واحدة، وإن أي إصلاح لا يمر عبر إرادة الناخبين سيبقى إصلاحاً شكلياً تحدده جهات خارجية. وتأجيل الانتخابات في هذه اللحظة يعني ترك الفراغ مفتوحاً أمام مشاريع الوصاية وتكريس فصل غزة عن الضفة، بدل أن يقول الفلسطينيون كلمتهم في من يمثلهم ويدير شؤونهم، ويؤكد الائتلاف رفضه القاطع لأي مسعى لتعطيل هذا الاستحقاق أو إرجائه تحت أي ذريعة.
على مدار العقدين الماضيين، جرت عدة جلسات للحوار الوطني والمصالحة الفلسطينية الفلسطينية، إلا أن جميعها باءت بالفشل ودون نتائج تُذكر أو تنعكس إيجاباً على الشعب العربي الفلسطيني، وكان كل طرف يتمسك برؤيته ويُغلب مصالحه الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية العليا، ويسعى إلى تحقيق إنجاز على حساب الآخر. ويخشى الفلسطينيون من انهيار جديد للحوار الوطني الذي تراعاه مصر حالياً، والذي ما زال يواجه تعقيدات تنظيمية، منها الخلاف حول مشاركة قوى غير مُعترف بها رسمياً داخل منظمة التحرير كتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يتزعمه المفصول من حركة فتح محمد دحلان، إلى جانب تخوفات من تحول اللقاءات إلى مجرد "إدارة للانقسام" وترحيل للأزمات دون إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي. وكانت حركة فتح تركز في طروحاتها خلال جلسات الحوار الماضية على ما تُطلق عليه حماية وحدانية التمثيل الوطني تحت مظلة منظمة التحرير، وتطالب بالالتزام بنظام وقانون وسلاح شرعي واحد، معتبرة أن الشراكة والقيادة تتحدد بالأساس عبر صندوق الاقتراع والانتخابات، فيما كانت حركة حماس تدفع باتجاه إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها على أسس ديمقراطية وتشاركية، وتدعم تشكيل حكومة توافق وطني انتقالية أو قيادة جماعية مؤقتة تدير الملفات الراهنة، مثل إعادة إعمار قطاع غزة وتوحيد المؤسسات.
حساسية المرحلة، والواقع المأساوي الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة على وجه الخصوص، والضفة الغربية والتهديدات بالتهجير والاستيطان، تفرض على الكل الفلسطيني العمل الجماعي والتخلي عن التفرد بالسلطة. ولأجل إنجاح الحوار وإنجاز المُصالحة، بما تستدعيه خطورة المرحلة، لا بد من الاتفاق على أسس مُحددة تراعي أولاً المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، في مقدمتها السعي الجاد لإنهاء الانقسام لا إدارته، والتخلي عن صيغ إدارة الانقسام وتوزيع النفوذ، والانتقال نحو إنهاء مظاهر السيطرة المُنفردة، وإعادة قطاع غزة والضفة الغربية إلى إطار نظام سياسي فلسطيني واحد وموحد، ووضع المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني فوق الحسابات الحزبية والفئوية الضيقة والولاءات الخارجية، والاتفاق على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها وتطويرها بمشاركة جميع القوى والفصائل في الداخل والخارج لتمثيل الكل الفلسطيني، ومن ثم الاتفاق على إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة (تشريعية، رئاسية، ومجلس وطني) مع ضمان الترابط بينها، بعيداً عن منطق التأجيل لأجل غير مُسمى، وتوفير الشروط اللازمة وتحويل ما يتم الاتفاق عليه في طاولات الحوار إلى خطوات عملية وميدانية سريعة وقابلة للقياس، بدلاً من بقائها حبراً على ورق.
خطورة المرحلة تتطلب أولاً إرادة سياسية، تُثمر عن تشكيل قيادة جماعية حتى لو كانت مؤقتة، تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، وتبني مبادرات الإنقاذ الوطني مثل تشكيل حكومة توافق ومرحلة انتقالية مشروطة بجدول زمني للانتخابات. أما إن واصل كل طرف التمسك بالشروط الإقصائية، فسيبقى الحوار وسيلة فقط لترحيل الأزمة دون معالجة جذور الانقسام ومفاقمة المعاناة.