الانتخابات الفلسطينية… قرار وطني لا ينبغي أن يخضع لإملاءات الخارج

2026-10-08 19:14:48

الشعب الفلسطيني مع الانتخابات ومع استكمال إجراءاتها ومع بذل كل جهد ممكن لإزالة العقبات التي تقف أمام إجرائها فالانتخابات حق للشعب الفلسطيني واستحقاق وطني وديمقراطي تأخر اكثر من عشرين عاماً وحاجة سياسية لتجديد شرعية مؤسساتنا وإعادة بناء حياتنا السياسية على أساس المشاركة الشعبية.

لكن هناك مسألة لا تقل أهمية عن الانتخابات نفسها: من يقرر موعدها وشروطها ومصيرها؟ الإجابة يجب أن تكون واضحة: القرار بشأن الانتخابات يجب أن يكون فلسطينياً فالشعب الفلسطيني لا يريد إجراء الانتخابات لأن الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو أي طرف عربي أو دولي يريدها كما لا يقبل أن يؤجلها لأن طرفاً خارجياً يريد تأجيلها و إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي إجراء الانتخابات فيجب إجراؤها وإذا فرضت الظروف الموضوعية في مرحلة معينة تأجيلها حفاظاً على شموليتها وشرعيتها فيجب أن يكون التأجيل أيضاً قراراً فلسطينياً هذه ليست مسألة عناد سياسي وإنما مسألة تتعلق باستقلال القرار الوطني.

لقد استجاب الفلسطينيون خلال السنوات الماضية لمطالب دولية في ملفات حساسة التزمنا بعملية السلام ونفذنا الاتفاقيات وعدّلنا المناهج واتخذنا إجراءات تتعلق برواتب الأسرى ونفذنا إصلاحات مالية وإدارية وسياسية وتحمل المجتمع الفلسطيني تبعات سياسية واجتماعية واقتصادية لهذه الإجراءات.

ومن حق الشعب الفلسطيني اليوم أن يسأل بوضوح: ماذا قدم لنا المجتمع الدولي في المقابل؟ هل مورست الضغوط نفسها على إسرائيل لتنفيذ الاتفاقيات والقرارات الدولية؟ هل جرى الضغط عليها لوقف الاستيطان واعتداءات المستوطنين وهدم البيوت ومصادرة الأراضي؟ هل مورست ضغوط حقيقية لوقف احتجاز أموال المقاصة التي تحتاجها السلطة الوطنية للقيام بواجباتها؟ هل فُتحت الحواجز أمام حركة الفلسطينيين؟ وهل كان هناك تحرك دولي فعلي يوفر الحماية للمدنيين الفلسطينيين ويوقف الحرب والدمار في غزة؟ هذه ليست أسئلة للمزايدة وإنما تتعلق بمبدأ بسيط: لا يمكن أن تكون الالتزامات باتجاه واحد.

إذا كان تعديل المناهج مطلوباً من أجل السلام فيجب أن يكون هناك معيار واحد للمناهج الفلسطينية والإسرائيلية وإذا كان المطلوب إصلاح السلطة الوطنية فمن الطبيعي أن يكون هناك موقف واضح عندما تُحتجز أموالها وتُقوض قدرتها على القيام بواجباتها وإذا كان المطلوب انتخابات ديمقراطية فيجب أن تتوفر الظروف التي تسمح بإجرائها بصورة حرة وشاملة ونزيهة وهنا لا يمكن فصل الحديث عن الانتخابات عن الواقع الفلسطيني و السؤال كيف نضمن مشاركة غزة؟و كيف يمكن حماية العملية الانتخابية فيها وهل يمكن أن يكون هناك دور لقوات فلسطينية او دولية محايدة إذا احتاجت العملية الانتخابية إلى ذلك؟ ام نترك مصيرها لحزب معين او مليشيات تعربد على الشارع في بعض مناطق غزة ؟

و كيف تتم الانتخابات في القدس؟ وهل تسمح إسرائيل بإجرائها؟و من يحمي لجنة الانتخابات في غزة والقدس والضفة الغربية؟و من يضمن وصول الناخبين في الضفة الغربية في ظل الحواجز والاستيطان واعتداءات المستوطنين؟و من يحمي مراكز الاقتراع والصناديق؟ وكيف تمارس لجنة الانتخابات المركزية صلاحياتها في جميع المناطق الفلسطينية بصورة متساوية؟ هذه ليست ذرائع لتعطيل الانتخابات بل أسئلة ضرورية لضمان نزاهتها وشمولها وشرعيتها.

ومن يطالب الشعب الفلسطيني بإجراء الانتخابات يجب ألا يكتفي بالمطالبة بل عليه أن يساعد في إزالة العقبات التي تحول دون إجرائها الفلسطينيون لا يطلبون من الاتحاد الأوروبي أن يجري الانتخابات بدلاً منهم ولا أن يختار لهم ممثليهم المطلوب هو أن يستخدم المجتمع الدولي ثقله السياسي والاقتصادي للمساعدة في توفير البيئة التي تسمح للشعب الفلسطيني بممارسة حقه الديمقراطي.

فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية الفلسطينية بينما يستمر الاستيطان ولا عن الدولة الفلسطينية بينما يتحكم الاحتلال في الأرض والحركة والموارد ولا عن انتخابات شاملة بينما لا تتوفر الضمانات لمشاركة أبناء الشعب الفلسطيني في القدس وغزة والضفة الغربية.

الشعب الفلسطيني يريد انتخابات تعيد تجديد الشرعية السياسية وتقوي مؤسسات السلطة الوطنية وتعزز منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع وتفتح الطريق أمام تجديد الحياة السياسية الفلسطينية.

ولا يريد انتخابات تتحول إلى مدخل لإضعاف منظمة التحرير أو تفكيك النظام السياسي الفلسطيني أو إعادة تشكيله وفق حسابات خارجية.

الشعب الفلسطيني لا يرفض أوروبا ولا يرفض الدعم الدولي ولا يرفض التعاون مع المجتمع الدولي لكنه يريد علاقة تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل لا على الوصاية أو فرض الشروط.

وإذا كانت أوروبا تريد أن تكون شريكاً في دعم الديمقراطية الفلسطينية فإن دورها الطبيعي هو المساعدة في إزالة العقبات أمام الانتخابات والضغط من أجل توفير الظروف التي تسمح بإجرائها وليس تحديد ما ينبغي أن يقرره الفلسطينيون لأنفسهم.

لقد قدم الفلسطينيون الكثير استجابة لمطالب دولية ومن حقهم أن يسألوا عن المقابل فلا يمكن أن يُطلب من الفلسطينيين باستمرار تنفيذ الالتزامات والإصلاحات والشروط بينما يبقى الطرف الإسرائيلي بمنأى عن الضغوط ذاتها ويستمر الاستيطان ومصادرة الأراضي واحتجاز الأموال وفرض القيود على الحركة.

ولهذا فإن المعيار يجب أن يكون واضحاً: إذا كان الخارج يريد الانتخابات فهذا ليس سبباً كافياً لإجرائها وإذا كان يريد تأجيلها فهذا ليس سبباً كافياً لتأجيلها المعيار هو المصلحة الوطنية الفلسطينية وقدرة الفلسطينيين على إجراء انتخابات شاملة وحرة ونزيهة بمشاركة القدس وغزة والضفة الغربية.

نحن لا نريد مواجهة العالم ولا نرفض المساعدة الدولية لكن الشعب الفلسطيني يريد مساعدة تحترم إرادته الوطنية وعلاقة تقوم على الشراكة لا الوصاية.

فالانتخابات الفلسطينية ليست ملكاً للاتحاد الأوروبي ولا للولايات المتحدة ولا لأي دولة عربية.

الانتخابات ملك للشعب الفلسطيني والقرار بشأنها يجب أن يبقى فلسطينياً نريدها انتخابات لفلسطين لا لإرضاء الخارج و نريدها شاملة للقدس وغزة والضفة الغربية لا انتخابات منقوصة و نريدها وسيلة لتجديد الشرعية الوطنية لا أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي وفق رغبات الآخرين.

والقرار في النهاية يجب أن يصدر عن المؤسسات الفلسطينية المختصة وفي مقدمتها لجنة الانتخابات المركزية وبالشراكة مع القوى السياسية الفاعلة مع الاستفادة من أي دعم دولي لا يمس استقلال القرار الفلسطيني.

أما الدول الأوروبية وغيرها من الأطراف الدولية فالمطلوب منها اليوم ليس ممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين بل المساعدة في إزالة العقبات أمام ممارسة حقهم الديمقراطي والوفاء بالتزاماتها تجاه القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدم التعامل مع الانتخابات بمعايير منفصلة عن الواقع السياسي والقانوني الذي يعيشه الفلسطينيون.

لقد آن الأوان لأن تكون العلاقة مع المجتمع الدولي قائمة على قاعدة واضحة: الشراكة لا الوصاية والمساعدة لا الإملاء والاحترام المتبادل لا القرارات من طرف واحد.

الشعب الفلسطيني يريد الانتخابات ويريد الديمقراطية ويريد تجديد الشرعية لكن قبل كل شيء يريد أن تبقى إرادته وقراره الوطني ملكاً له.