بوصلة الوطن لا خرائط العواصم

2026-10-09 11:18:20

بينما تتّجه الأنظار إلى القاهرة، حيث تجري لقاءات ومشاورات بين فصائل فلسطينية تمهيداً لحوار وطني شامل، تعود إلى الواجهة أسئلة مشروعة عن جدواه ومآله.

ليس انعقاد الحوار الوطني في عاصمة شقيقة كالقاهرة عيباً، بل ضرورة فرضها الحصار وتشتّت الجغرافيا وغياب السيادة تحت وطأة الاحتلال. فالعواصم الراعية كانت دائماً حاجة لوجستية وسياسية لتقريب وجهات النظر، وتوفير بيئة آمنة للتشاور.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في سؤال «أين نتحاور؟»، بل في سؤالَي «مع مَن نتحاور؟» و«على ماذا نتحاور؟».

فلدينا اليوم أرشيف كامل من الاتفاقات والإعلانات يكفي لملء رفوف مكتبة: من اتفاق مكة عام 2007، إلى اتفاق القاهرة للمصالحة عام 2011، فإعلان الدوحة عام 2012، واتفاق الشاطئ عام 2014، ثم اتفاق القاهرة عام 2017. وفي عام 2021 اجتمعت الفصائل في القاهرة نفسها، وتوافقت على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وصدرت المراسيم وفُتح باب التسجيل، ثم أُجّلت الانتخابات إلى أجل غير مسمّى. وتلاها إعلان الجزائر عام 2022 الذي نصّ على إجراء الانتخابات خلال عام، ثم لقاء العلمين عام 2023، فإعلان بكين عام 2024. عواصم كثيرة، وتواقيع كثيرة، وصور كثيرة… والانقسام باقٍ.

لم تكن المشكلة يوماً في النصوص؛ فكثير منها محكم الصياغة. المشكلة أن ما تضمّنته هذه الاتفاقات من ترتيبات وآليات لم يتحوّل إلى تنفيذ ملزم، ولم تُفعّل مساءلة واضحة عن التعطيل، ولم يكن الشعب شريكاً فعلياً في صنعها ومتابعتها وحمايتها حين تتعثّر. فكان كل اتفاق جديد اعترافاً ضمنياً بفشل الذي سبقه.

ومن هنا، فالحوار لا يكتسب صفته الوطنية بمجرد التسمية، بل بقدرته على كسر احتكار القرار، وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل القوى الحيّة كافة، والشرائح المجتمعية، والكفاءات، والمستقلين. وغياب الأطراف المعنيّة وتهميش الشارع يحوّلان أي لقاء من مشروع إنقاذ وطني إلى مجرد تفاهمات على المحاصصة الفصائلية، لا رصيد لها على الأرض.

ولا يستقيم حوار يتحدث باسم المستقبل فيما يغيب عنه الشباب والنساء، أو تُختزل فيه غزة إلى بند على جدول الأعمال، بدلاً من حضور أهلها وتجربتهم وأولوياتهم في صميم النقاش والقرار.

ولا تكتمل الصفة الوطنية لأي حوار من دون حضور فعلي لأهل القدس، بقواهم المجتمعية ومؤسساتهم وكفاءاتهم. فالقدس ليست عنواناً يُستدعى في البيانات، ولا قضية تُذكر عند تعثّر الاستحقاقات ثم يغيب أهلها عن صياغة الخيارات؛ إنها مدينة يعيش أهلها مواجهة يومية دفاعاً عن بيوتهم ومدارسهم وأرزاقهم وحقهم في البقاء، ويجب أن يكونوا شركاء في القرار وصناعة المستقبل.

كما لا يجوز اختزال فلسطينيّي الشتات في دور المساندة من بعيد؛ فهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ولهم حق المشاركة والتمثيل في مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية. ولا يُبنى مشروع وطني جامع بتغييب طاقاتهم وتجاربهم، أو بتهميش حقوق اللاجئين، وفي مقدمتها حق العودة. فوحدة الشعب لا تسقط بتباعد أماكن إقامته، ولا تنحصر حدود قضيته في الجغرافيا المتاحة للاجتماع.

وإلى النخب المجتمعة والمؤثرة نقول: إن شعبنا، بعد ثلاث سنوات من الحرب والإبادة في غزة، لم يعد يحتمل تكرار سيناريوهات «إعلان النوايا»، والصور التذكارية المبتسمة فوق أنقاض واقع ينزف. ولم يعد مقبولاً أن تتجدّد اللقاءات فيما تبقى الوجوه والأساليب والحسابات ذاتها، من دون مراجعة جادّة أو مساءلة عن أسباب الفشل.

ولا يجوز أن يتحوّل الحوار الوطني إلى مسار مفتوح يُعلَّق عليه حق الشعب في الانتخابات، أو أن يصبح التوافق بين الفصائل شرطاً يسبق إرادة الناخبين إلى ما لا نهاية. المطلوب توافق على قواعد المشاركة وضمانات النزاهة واحترام النتائج والتداول السلمي للسلطة، لا تفاهمات تحدّد مسبقاً شكل السلطة وحصص أطرافها. فالانتخابات حق للشعب، وليست منحة تُمنح أو تُسحب وفق الحسابات السياسية، والحوار مسؤول عن فتح الطريق أمامها، لا عن إحلال نفسه محلّها.

أما القدس وغزة، فواجبنا ضمان مشاركة أهلهما الفعلية والآمنة، وابتكار وسائل لتجاوز عراقيل الاحتلال، مع إعلان ما يمكن تجاوزه وما يتعذّر تجاوزه وأسبابه أمام الناس. فلا تُختزل مشاركتهما في إجراء شكلي، ولا يُستخدم اسمهما لتبرير تأجيل دائم. والتمسّك بالقدس يقتضي العمل لتمكين أهلها من ممارسة حقهم، كما أن التمسّك بغزة يقتضي الإصغاء إلى أهلها وضمان قدرتهم على الاختيار، لا تقرير مصيرهم بالنيابة عنهم.

إن صعوبة الظروف تستدعي عملاً وطنياً جدّياً لتذليل العقبات، وتقييماً مهنياً معلناً من لجنة الانتخابات المركزية، ورقابة مستقلة وضمانات واضحة. وأي حديث عن تعذّر الاقتراع يجب أن يستند إلى أسباب محدّدة قابلة للفحص والمساءلة؛ فلا تبقى إرادة جيل كامل رهينة انتظار لا سقف له.

المطلوب اليوم ليس إدارة الانقسام، بل إنهاؤه، عبر آليات تنفيذية ملزمة وجداول زمنية واضحة، وجهة رقابية مستقلة تُعلن للناس من التزم ومن عطّل، بما يفضي إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية جامعة، تكفل التمثيل الحقيقي لشعبنا في الوطن والشتات، وتعيد للاستحقاق الوطني هيبته، وللمواطن صوته.

ومهما ابتعدت قاعات الحوار، تبقى بوصلة النجاح واحدة: احترام إرادة الناس، وتغليب المصلحة الوطنية العليا؛ فالشرعية تُبنى بإرادتهم ومشاركتهم ومحاسبتهم، وتُختبر في أزقّة الوطن وتجمّعات شعبنا في الشتات، ولا تمنحها وحدها بيانات اللقاءات في أروقة الفنادق.