ماذا بعد تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية

2026-10-11 14:25:57

منذ صدور قرار اجراء الانتخابات التشريعية توقعت منذ اللحظة الاولي انه من الصعوبة بل من المستحيل اجراء الانتخابات والان بعد صدور قرار تأجيل الانتخابات نحن بحاجة الي مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات وتستعيد ثقة المواطن بمؤسساته وتفتح أفقا سياسيا حقيقيا أمام شعب طال انتظاره للتغيير والاستقرار والحرية. وفي هذا السياق يأتي تأجيل الانتخابات الفلسطينية ليطرح من جديد مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي لا تتعلق بموعد الاقتراع وحده وإنما بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومصادر شرعيته وقدرته على تجديد نفسه ومدى استعداد الفصائل الفلسطينية لتحمل مسؤولياتها في مرحلة هي من أكثر المراحل حساسية في تاريخ قضيتنا الوطنية. والسؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه ليس فقط لماذا تأجلت الانتخابات؟ بل ماذا بعد التأجيل؟ وهل نملك الإرادة السياسية لتحويل هذه المرحلة إلى فرصة للمراجعة والإصلاح والتوافق الوطني أم أننا سنكتفي بإدارة الواقع القائم وتأجيل استحقاقاته مرة أخرى؟ جميعنا يعلم أن الانتخابات حق وطني وليست مجرد استحقاق انتخابي. لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن غياب الانتخابات المنتظمة واستمرار الانقسام وتعطل آليات المساءلة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسساته وأضعفت قدرة النظام السياسي على استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية، والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة. فالمطلوب ليس انتخابات لمجرد إجرائها وإنما انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، تعبّر عن إرادة شعبنا بكل مكوناته وتتمتع نتائجها بالاحترام والقبول وتشكّل مدخلًا حقيقيًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس وطنية وديمقراطية. وبين ضرورة التأجيل ومخاطر التعطيل لا يمكن مقاربة مسألة التأجيل بمنطق الرفض المطلق أو القبول المطلق فالقرارات السياسية تفهم في سياق ظروفها وتقاس بمدى استجابتها للمصلحة الوطنية، وبالنتائج التي تترتب عليها. وهنا تبرز مسؤولية القيادة الفلسطينية إلى جانب مسؤولية الفصائل والقوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني في تقديم إجابات واضحة للمواطنين ما المبررات المحددة للتأجيل؟ وما الخطوات التي ستتخذ خلال هذه المرحلة؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار التأجيل؟ ومن سيحاسب الجهات المعنية إذا لم تُنفذ الالتزامات المعلنة؟ فالشرعية لا يعني أن تختزل في صندوق الاقتراع على الرغم من أن الانتخابات تمثل إحدى أهم أدوات تجديد الشرعية الديمقراطية، فإن أزمة النظام السياسي الفلسطيني أعمق من مسألة إجراء الانتخابات أو تأجيلها. فهي ترتبط أيضًا بغياب الوحدة الوطنية، وتعطل المؤسسات التمثيلية وضعف المساءلة والحاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية بما يحافظ على مكانة المنظمة بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ويعزز في الوقت نفسه شرعية المؤسسات المنتخبة.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد مراجعة جادة لأداء النظام السياسي الفلسطيني بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو تحميل طرف واحد مسؤولية تراكمات سنوات طويلة. فالمطلوب هو الاعتراف بمواطن الخلل والبحث عن حلول عملية وتطوير مؤسسات قادرة على استيعاب التعددية السياسية والاجتماعية وتجديد الحياة الديمقراطية.

ولا يمكن أن نطالب المواطن بالصبر والتضحية باستمرار، دون أن نمنحه أفقا سياسيا واضحا وشعورا حقيقيًا بأن صوته مؤثر وأن مشاركته قادرة على إحداث التغيير كما أن التوافق الوطني ضرورة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة.

ومن هذا المنطلق فإن التوافق الوطني بشأن الانتخابات يجب أن يكون توافقا على قواعد العملية الديمقراطية وضماناتها ونتائجها لا اتفاقا على تعطيلها أو تأجيلها بين الحين والأخر. نحن بحاجة إلى حوار وطني جاد يشارك فيه الجميع وتُطرح خلاله القضايا الخلافية بوضوح ومسؤولية بدءًا من شروط إجراء الانتخابات وضمانات نزاهتها وصولا إلى احترام نتائجها وتحديد آليات الشراكة الوطنية ومعالجة تداعيات الانقسام. كما ينبغي أن يتجاوز الحوار الحسابات الفصائلية الضيقة وأن ينطلق من حقيقة أن القضية الفلسطينية أكبر من أي تنظيم، وأن المصلحة الوطنية لا يمكن اختزالها في مصالح القوى السياسية أو في حسابات البقاء في مواقع المسؤولية. لقد كشفت الحرب حجم التحديات التي يواجهها شعبنا وأكدت أن إعادة الإعمار وتوفير مقومات الحياة الكريمة واستعادة المؤسسات، كلها قضايا مترابطة لا يمكن معالجتها بمعزل عن الرؤية السياسية الوطنية. وفي ظل هذا الواقع فإن أي مسار انتخابي مستقبلي يجب أن يراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطنون في غزة وأن يضمن حقهم في المشاركة السياسية وألا تتحول معاناتهم إلى سبب لإبعادهم عن صناعة القرار المتعلق بمستقبلهم. ولقد أثبت الشباب الفلسطيني في مختلف المراحل قدرته على المبادرة والعطاء والعمل المجتمعي رغم ما يواجهه من بطالة وضغوط اقتصادية وتحديات اجتماعية وسياسية ومع ذلك ما زالت الحاجة قائمة إلى توسيع مشاركتهم في مواقع صنع القرار، وإتاحة المجال أمامهم للمساهمة في صياغة السياسات العامة والبرامج الوطنية.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي مختلف بأدوات تقليدية لا تستوعب التحولات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني ولا تمنح الأجيال الجديدة دورا يتناسب مع قدراتها وتطلعاتها. إن المرحلة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني لا تحتمل استمرار الدوران في الحلقة ذاتها. فالتحديات التي تواجه قضيتنا الوطنية من استمرار الاحتلال والاستيطان إلى تداعيات الحرب والانقسام تفرض مراجعة جادة للأداء السياسي والمؤسسي وإعادة ترتيب الأولويات على قاعدة الشراكة والمسؤولية الوطنية. ولا يمكن لأي فصيل مهما كان حضوره أو تاريخه أن يتحمل وحده مسؤولية إنقاذ النظام السياسي كما لا يجوز لأي طرف أن يتنصل من مسؤوليته عن معالجة الأزمة القائمة. إن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق إدارة الخلاف إلى منطق بناء التوافق، ومن منطق الحفاظ على المواقع إلى منطق تطوير المؤسسات، ومن الاكتفاء بتشخيص الأزمة إلى العمل على معالجتها. وهذا يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار واستعدادًا للمراجعة والنقد وإيمانا بأن قوة النظام السياسي لا تقاس بقدرته على البقاء فحسب بل بقدرته على التجدد، والاستجابة لتطلعات المواطنين واحترام إرادتهم فالاختلاف السياسي لا ينبغي أن يكون عائقا أمام العمل الوطني المشترك والتعددية لا تعني الانقسام والتوافق ولا يعني التنازل عن الديمقراطية بل إن هذه العناصر حين تدار بمسؤولية يمكن أن تشكل أساسًا لنظام سياسي أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.