المطلوب فتحاويا وفصائلياً من أجل انتخابات عامة ذات جدوى

2026-10-11 14:57:15

جاءت التوقعات المتداولة بشأن تأجيل الانتخابات على خلفية تفاقم تدهور الأوضاع على الأرض وازدياد وتيرة الإرهاب اليهودي تحت حماية جيش الاحتلال او تواطؤه عشية الانتخابات الإسرائيلية، وتوقع استمرار ذلك حتى الموعد المقرر للانتخابات الفلسطينية في تشرين الثاني القادم وربما الى ما بعد ذلك، وعدم إمكانية إجراء انتخابات في مثل هذه الظروف لأن من لا يستطيع حماية المواطنين الفلسطينيين في قطاف ثمار زيتونهم أو منع اجتثاثها أو إحراقها أو منع إحراق سياراتهم وبيوتهم لن يستطيع حماية صناديق الاقتراع أو ضمان أجواء هادئة لمهرجانات انتخابية وعرس ديمقراطي.

وجاءت هذه التوقعات على خلفية استمرار الخلافات داخل حركة فتح وتعدد قوائمها وأنباء عن إمكانية تحالف بين أحد أجنحتها مع حركتي حماس والجهاد وفصائل أخرى مما يجعل إمكانية خسارة فتح الرسمية للانتخابات أمراً محتملاً جدا.

وجاءت هذه التوقعات على خلفية محاولة فتح الرسمية الاستحواذ على اختيار أعضاء المجلس الوطني الممثلين للشتات وقرار اختيار 68 عضوا من داخل الأراضي المحتلة عن طريق التعيين، مما يؤكد أن النية تتجه لإنتاج مجلس وطني يعيد استنساخ الوضع القائم، وربما يدفع بوجه جديد أو وجوه جديدة إلى مقدمة المنصة دون أن يعني أي تجديد، مع تجاهل تام لكافة القوى الأخرى،

وجاءت هذه التوقعات على خلفية عدم جاهزية كل فصائل (م .ت. ف) للدخول في معركة انتخابية دون أن تضمن سلفاً حصتها من الكعكة، فكان مصطلح "الحوار الوطني" هو الكود أو الشيفرة للمحاصصة فيما بينها بغض النظر عن القوة الحقيقية لهذه الفصائل على الأرض ومن خلال احتكارها للقيادة وتقرير المصير للشعب المغيب المحروم من حقه في اختيار حقيقي لممثليه منذ اكثر من عقدين من الزمن.

الوضع العام لمكونات النظام السياسي الفلسطيني لا يسر الصديق ولا يغيظ العدا كما يقول شاعر فلسطين العنبتاوي عبد الرحيم محمود في قصيدته "الشهيد".

هناك مثل يقول: حين يتوقف الجنود عن القتال ينشغلون في كيل الشتائم للقائد. وهذا المثل ينطبق على كافة فصائل العمل الوطني ولو بشكل نسبي فيما بينها.

فقد أدى مسار أوسلو إلى وقف تدريجي للمقاومة انتهى إلى حالة من الجمود شبه التام، وفي حين كانت التعبئة والتنظيم الى ما قبل أوسلو نشطيَن لدى كل الفصائل من أجل استمرار المقاومة التي كانت بدورها مصدراً دائماً لإدخال دماء جديدة الى عروق الفصائل، وكانت السجون بمثابة مدارس وكليات لتثقيف المناضلين وأدلجتهم من خلال آليات وبرامج وضوابط بلورتها الحركة الأسيرة على مدى عشرات السنين، توقفت المقاومة وتوقف تزويد السجون بالمناضلين الجدد وتوقف رفد الفصائل بوجوه جديدة خارجة من المعتقلات تجدد شبابها وطاقاتها، فاستحوذ على قيادة الفصائل أناس اتخذوا من "قيادتها" وسيلة لضمان الميزانيات والامتيازات والنفوذ ، بعضهم لم يمر بتجربة المقاومة والاعتقال، وتباعدت الشقة بينهم وبين الناس والكوادر على الأرض بشكل مضطرد الى أن أصبحت الفصائل في واد والشعب في واد آخر.

ورغم هذا الابتعاد والانعزال عن عامة الناس ظلت هذه الفصائل تحتكر ادعاء تمثيل الشعب تتغنى بأمجاد الماضي وتعيش على المحاصصة والاقتتال على الكراسي.

وجاءت مبادرة الجبهة الشعبية لتأجيل الانتخابات في ظل هذه الأجواء، فالتقطتها فتح كهدية من السماء وتمترست وراءها وخاضت الحوارات التي يبدو انها انضجت قرار تأجيل الانتخابات الذي يمكن القول بأن فتح ستكون أكثر المستفيدين منه اذا استطاعت استغلال المهلة الجديدة حتى الموعد القادم للانتخابات، الذي يبدو أن هناك فرصة للتوافق مسبقاً عليه، ووظفتها في العمل لحوار معمق داخل الحركة يعيد إلى صفوفها كل من هم اليوم خارج اطار المؤسسات الحركية بما في ذلك كل مخرجات المؤتمر الثامن الذي أدى الة تعميق الشرخ وتعقيد الأوضاع داخل الحركة.

 ويبقى السؤال هو ما إذا كانت لدى القيادة الحالية للحركة الرغبة الحقيقية والنية الصادقة لرأب الصدع داخل الحركة ولم الشمل من خلال عقد المؤتمر التاسع بشكل استثنائي وبمشاركة الجميع دون إقصاء أو استبعاد أحد من كوادرها، وبدون أي شرط سوى التزام الجميع بالنظام الداخلي للحركة وأدبياتها ودفن كل الخلافات القديمة والارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه القضية الوطنية، وعلى رأس المواجهة حركة فتح، وانتخاب مجلس ثوري ولجنة مركزية جدد بكل شفافية تعيد للحركة رونقها وبريقها الثوري.

ومع أن ما سبق يبدو حلماً أو فرضية بعيدة المنال، إلا أن تحقيقه هو الضمان الأساسي لخلق أجواء حقيقية لانتخابات ديمقراطية إذا ما تزامن العمل داخل فتح مع حوار وطني يشمل كافة القوى والفصائل الوطنية والإسلامية يستند للمعطيات الواقعية العملية المتاحة، ويتناغم معها ويستند للشرعية الدولية والفلسطينية، يمهد لإجراء انتخابات حقيقية للمجلس التشريعي والرئاسة بالتوالي وليس في آن واحد، ولكن بعد فترة لا تزيد عن ستة أشهر، بمشاركة كل قوى وفصائل العمل الوطني والإسلامي.

 بدون ذلك فإن أي تأجيل للانتخابات لن يؤدي إلا الى مزيد من الابتعاد عن الشرعية وتكريس نظام دكتاتورية حكم الفرد الواحد الذي يحول دون  بلورة نظام حكم القانون ويمنع بناء مؤسسات الحكم والذي سيعني غيابه الشخصي غياب وانهيار الحكم.

وعلى فصائل العمل الوطني والإسلامي أن تنزل إلى أرض الواقع، وأن تتقبل الاحتكام الحقيقي إلى صناديق الاقتراع كأساس للشرعية وان لا تظل تتمسك بفكرة المحاصصة والتقاسم وتجاهل إرادة الشعب.

ولا شك أن الوصول للانتخابات القادمة، إن أردنا الوصول إليها، يتطلب تشكيل حكومة ائتلاف وطني انتقالية مقلصة، تقوم على أساس أوسع تمثيل سياسي ممكن، مع إدراك أن قد لا يكون بالإمكان مشاركة القوى الإسلامية، تتولى تسيير الأمور الحياتية والإصلاح الداخلي والإعداد للانتخابات القائمة.

حقنا على الرئيس محمود عباس، أطال الله في عمره، هو أن يؤسس قبل رحيله لنظام قائم على الشرعية الانتخابية عبر صناديق الاقتراع، لا تمسه شبهة التوريث، قائم على بناء المؤسسات، والفصل بين السلطات، ومأسسة سيادة حكم القانون. وهذا لا يتأتى إلا من خلال تغيير جذري للمنهج والأسلوب وأدوات العمل.

abuzayyadz@gmail.com