حتى الزيتون غاب عن موائد غزة.. ما كان أساس "المونة" أصبح نادراً بفعل الحرب وشح الإمدادات
غزة - راية - مدلين شقليه
ارتبط موسم الزيتون في قطاع غزة عبر العقود بعادات وتقاليد متجذرة لدى العائلات الفلسطينية، حيث يُعد الزيت والزيتون جزءاً أساسياً ورئيساً في المطبخ الغزي و"مونة" البيت التي تحرص النساء على توفيرها وتخزينها لتكفي أسرهن على مدار العام. غير أن حرب الإبادة والتدمير الشامل غيّرت هذا الواقع القائم، وتحوّل ما كان حاضراً في كل بيت إلى حلم صعب المنال لكثير من العائلات.
تسبب القصف المستمر وتجريف الأراضي الزراعية في تدمير هائل لقطاع الزيتون في غزة؛ فبعد أن كانت المساحة المزروعة تُقدر بنحو 50 ألف دونم قبل الحرب، لم يتبقَّ منها سوى نحو 5 آلاف دونم فقط، مما أدى إلى تراجع حاد وكبير في أعداد الأشجار والمحصول المُنتج، وارتفاع أسعار الزيتون وزيته إلى مستويات غير مسبوقة وسط تدهور القدرة الشرائية للسكان.
فقدان مصدر الرزق وارتفاع جنوني في الأسعار
تستحضر إحدى المواطنات في حديثها لـ شبكة راية الإعلامية ما كان عليه الحال قبل الحرب قائلة: "كنا نعتمد على الزيت والزيتون كمصدر رزق يعيننا على مصاريف الحياة. كان لدينا نحو أربع شجرات زيتون تكفينا طوال السنة، نأكل ونخزن منها. لكن اليوم تجرفت كل الأراضي ولم يتبقَّ شيء، حتى شجرة النخيل التي كنا نترزق منها جُرفت هي الأخرى".
وتضيف المواطنة بحسرة: "حتى للاستخدام المنزلي، لستُ قادرة اليوم على شراء ثلاثة رطال، فقد وصل سعر الرطل إلى 50 و60 شيكلاً في غزة، بعد أن كان سابقاً بـ 15 شيكلاً فقط.. السعر أصبح خيالياً ولا نملك القدرة على شرائه رغم أمنيتنا في الحصول عليه".
غياﺏ الطقوس وت حسّر على الموائد
ولم يقتصر التأثير على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ امتد ليمس الطقوس الاجتماعية المرافقة للموسم؛ إذ تقول مواطنة أخرى لـ شبكة راية الإعلامية: "الزيت والزيتون كانا أساسيين في بيتنا كل عام، لكن الوضع اليوم أصبح صعباً للغاية. وصل بنا الحال أن نمرّ في الشارع وننظر إلى الزيتون بأسى وحسرة دون أن نتمكن من شرائه بسبب الغلاء الفاحش".
وتتابع: "كنا نعيش أجواءً جميلة جداً خلال الموسم، نتجمع ونمرس الزيتون ونعدّه معاً، لكن الحرب حرمتنا من هذه الأجواء والطقوس العائلية الخاصة، وما نعيشه اليوم هو شيء أليم ومأساوي بكل المقاييس".
ذاكرة الأرض والتمسك بالهوية
بالنسبة لنساء غزة، لم يكن الزيت والزيتون مجرد مكون غذائي على مائدة الطعام، وإنما هو جزء أصيل من تدبير المنزل، وذاكرة موسم يتكرر كل عام، ومونة تُخزن لأشهر وسنوات. ومع فقدان الأرض وتدمير الأشجار، تفقد الأسر الغزية جزءاً رئيساً من أمنها الغذائي وذاكرتها الممتدة.
ورغم الحرب والدمار وغلاء الأسعار، تواصل النساء في قطاع غزة محاولاتهن اليومية للحفاظ على التفاصيل الأصيلة لموائدهن وبيوتهن، متمسكات بذاكرة الأرض وأشجارها التي طالما شكلت رمزاً للصمود والهوية الوطنية.