بنية الهيمنة اليمينية في إسرائيل وآفاق المشهد القادم
مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين تشهد البيئة السياسية الإسرائيلية حالة من الترقب المكثف، وسط مؤشرات متزايدة من استطلاعات الرأي تؤكد حقيقة راسخة: إسرائيل لم تعد تتأرجح بين يمين ويسار، بل باتت تتحرك بالكامل داخل فلك الفكر اليميني القومي والأمني.
يعيد هذا التحول الهيكلي صياغة النظام السياسي الإسرائيلي داخلياً، ويفرض في الوقت ذاته تحديات استراتيجية غير مسبوقة على القضية الفلسطينية، مما يستدعي تفكيك دوافع هذا الصعود، واستشراف آفاقه القادمة، وبلورة خيارات فلسطينية بديلة تنتقل من المقاربات التقليدية إلى تطوير استراتيجية واقعية تبنى على الخبرات المتراكمة وتستند إلى الحقائق الميدانية.
لم يكن انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين وليد الصدفة، بل جاء نتاج تحولات عميقة تراكمت على مدار العقود الثلاثة الأخيرة. وتبرز جذور الصعود وبنية الهيمنة اليمينية في انهيار ما كان يُعرف بـ"معسكر السلام" بدءاً من اغتيال إسحاق رابين عام 1995، مروراً بتنحي إيهود باراك بعد فشل قمة كامب ديفيد عام 2000، وصولاً إلى سقوط مصداقية اليسار الصهيوني في الوجدان الإسرائيلي.
وقد أسهم ذلك في تكريس وترسيخ الرواية اليمينية الإسرائيلية القائمة على "غياب الشريك الفلسطيني"، التي تعمقت بشكل حاسم بعد خطة الانفصال أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005؛ حيث نجح اليمين في تسويق تبعاتها كدليل قطعي على أن أي انسحاب سيقابله تدهور أمني، ما خلق إجماعاً إسرائيلياً صلباً ضد أي تنازل مستقبلي عن الأرض.
ترافقت مع المعطيات الأمنية تحولات ديموغرافية حاسمة؛ حيث شهدت إسرائيل نمواً سكانياً متسارعاً لمجتمع المتدينين (الحريديم) واليمين القومي الديني، وهي شرائح تتميز بمعدلات خصوبة مرتفعة للغاية مقارنة بالتيار العَلْماني الأشكنازي. هذا التدفق الديموغرافي تُرجم مباشرة إلى تفوق تصويتي دائم لصالح معسكر اليمين. يُضاف إلى ذلك اندماج الكتلة المليونية للمهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق في مربعات المواقف القومية المتشددة، ما منح اليمين رافعة سياسية صلبة.
اقتصادياً وثقافياً، نجح حزب "الليكود" بقيادة بنيامين نتنياهو في صياغة توليفة تجمع بين النيوليبرالية الرأسمالية والدعم الرمزي للشرائح اليهودية الشرقية المحافظة، مصوراً قوى الوسط واليسار كنخبة عَلْمانية قديمة ومستعلية. ترافق ذلك مع إعادة صياغة مناهج التعليم والخطاب العام لتكريس "يهودية الدولة" على حساب طابعها الديمقراطي، متوَّجاً بقانون القومية عام 2018. في مقابل هذه الكاريزما القيادية لنتنياهو وقدرته الاستقطابية، عانى معسكر الوسط واليسار من أزمة قيادة حادة وفراغ كاريزمي مزمن منذ اغتيال إسحاق رابين، وتنحي إيهود باراك عام 2000، ودخل في دوامة تغيير مستمر لقياداته عقب كل إخفاق انتخابي، ما صوّره أمام الناخب كبديل مشتت وغير مؤهل لإدارة الأزمات الوجودية.
بناءً على معطيات استطلاعات الرأي، لا تتجه إسرائيل نحو تراجع آيديولوجي لليمين بل نحو إعادة هيكلة لمركز ثقله القيادي. فرغم تآكل مقاعد الليكود والائتلاف الحالي وعجزهم عن بلوغ الحسم، فإن البديل الصاعد ليس وسطاً ولا يسارا؛ بل تُشير القراءة الاستشرافية إلى صعود تحالف يميني عريض يجمع بين الجناح الأمني والمؤسساتي (بقيادة غانتس وآيزنكوت)، وأقطاب اليمين القومي والعَلْماني المتشدد (بينيت وليبرمان).
تلتقي هذه النخبة المعارضة في رفض حل الدولتين، وتوسيع الاستيطان، وتفضيل الحلول العسكرية الصارمة. ويتلخص المشهد القادم في السعي لاستبدال اليمين الآيديولوجي الراديكالي ببديل يميني أمني وعسكري أكثر تنظيماً وقبولاً لدى المجتمع الدولي، مدعوماً بثبات ديموغرافي طويل المدى يضمن بقاء الكتلة الناخبة المحافظة هي المقرِرة.
أمام الانسداد التاريخي والنزوع الإسرائيلي نحو الضم، يتعين على الكل الفلسطيني مغادرة مربع الانتظار وتبني استراتيجية مبادرة تقوم على أربعة مسارات؛ أولها: الإنهاء الفوري للانقسام بتوحيد المؤسسات وإعادة تفعيل منظمة التحرير لتضم كافة القوى وفق رؤية تدمج الدبلوماسية بالمقاومة الشعبية. وثانيها: تدويل الصراع بالتخلي عن الاحتكار الأميركي، وبناء تحالفات مع القوى الصاعدة (كالبريكس)، وملاحقة الاحتلال قضائياً لرفع كلفة الاستيطان. وثالثها: تمتين التحالف مع دول الطوق العربي لإحباط مشاريع التهجير، والحفاظ على التفوق الديموغرافي مع مناهضة نظام "الأبرتهايد". ورابعها: عزل الاحتلال عالمياً بدعم حركات المقاطعة، بالتوازي مع بناء "اقتصاد صمود" محلي يقلل التبعية ويثبّت المواطنين في أرضهم.
إن القراءة الدقيقة للمشهد الإسرائيلي تؤكد أن الرهان على تغيرات داخلية في تل أبيب ليس سوى رهان على سراب؛ فمواجهة اليمين المترسخ تتطلب امتلاك زمام المبادرة وتغيير قواعد الاشتباك. ولا يعني هذا التحول التخلي عن مشروع الدولة المستقلة، بل هو نضوج مفاهيمي ينقل الفعل الفلسطيني من مقاربات التعاطي التقليدية إلى مربع الهجوم الأخلاقي والقانوني عالمياً. وعبر تعرية الاحتلال كنظام فصل عنصري يستحيل التعايش معه، يُحاصر الفكر اليميني الرامي للضم، ويتحول النضال إلى معركة حرية وعدالة إنسانية مدعومة دولياً، تشكل رافعة استراتيجية لإنهاء الاحتلال وتجسيد حل الدولتين.