يد الرئيس المُرتعشة وعجز الفصائل
أظهر مرسوم تأجيل الانتخابات بعد أشهر من قرار إجرائها، مدى "الارتباك" لدى قيادة السلطة ومنظمة التحرير الذي يصل حد "الهلع" السياسي أمام التطورات التي تلت هجوم السابع من أكتوبر 2023 الانتحاري، والرعب من تجاوز حكومة الاحتلال الإسرائيلي كل الخطوط الحمراء في إدارة الصراع وتسريع وتيرة تصفية القضية الفلسطينية.
يضاف لذلك تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها في الخليج والاقليم والعالم، نتائج كل ما سبق جعلت العالم مشغول بالاقتصاد والنفط وممرات الملاحة البحرية، وأمام نظر الجميع مصير رئيس فنزولا ومرشد إيران والقيادة العسكرية فيها.
وبصراحة دعوني أقول إن قيادة السلطة ومنظمة التحرير لا تثق في الفصائل ولا تثق في الشعب الفلسطيني المنهك حد الموت والجوع في غزة، وشقيقه "المرعوب" في الضفة الغربية بسبب الاعتداءات الإسرائيلية غير المسبوقة على الانسان والأرض والحصار الاقتصادي لمكونات القطاع الخاص وحرمان الحكومة من أموال المقاصة - والعكس صحيح أيضا - لا تثق الفصائل في السلطة ولا الشعب، الذي هو أيضا محبط من الجميع، بل وناقم عليهم.
بشكل واضح إن حالة "الضعف والهشاشة" السياسية التي تعيشها غرفة القيادة السياسية المُغلقة تدفعها إلى تردد قد يودي بمصيرها، ويعصف بالشرعية السياسية التي اكتسبتها بفعل سياسة "الطالب الملتزم" والتي حققت اعترافات دولية رمزية لا تحمل أي أدوات ضغط سياسي لتحجيم السلوك الإسرائيلي العدواني والمنفلت.
قبل مرسوم الانتخابات "المُلغى" دفعت حركة فتح بأعضاء اللجنة المركزية إلى الشارع في الضفة الغربية، بقيادة عضو المركزية ومدير المخابرات اللواء ماجد فرج ورفاقه لقيادة الحملة الانتخابية بهدف جعل خيار الانتخابات ساحة كفاحية شعبية وقانونية ودولية للاشتباك السياسي مع الاحتلال، لكن التردد كان أكبر من المبادرة "المُكلفة".
صحيح.. الحسابات معقدة والأمواج عالية، لكنها ساعة اختبار لقدرة "الكل السياسي" الفلسطيني من المنظمة إلى الفصائل لإثبات "قدرتهم الوطنية" على إدارة الوضع الفلسطيني نحو "أقل الخسائر".
الحلم السابق الذي يجول في عقل وقلب كل فلسطيني بوجود قيادة موحدة لديها أهداف عملية واقعية وأدوات كفاحية ضمن المشروع الوطني الكبير، بعيد عن الواقع رغم بحر الدماء والعذابات في غزة، وفيضان الخوف الإحباط في الضفة، رغم كل ما سبق لم يتمكن "القادة" من الاتفاق على برنامج موحد وخارطة نضال جماعي تحافظ على الصمود والبقاء وتؤسس للمستقبل والأجيال.
خلال العام الفارق بين موعد تأجيل الانتخابات وإجراءها "المنتظر"، كل الوعود بمصالحة جامعة وكل المبادرات من أجل حوار وطني جاد ومثمر. لن تُصلح هذا المسار الكاذب للحوار والشراكة السياسية، لتزيد الفجوة بين الشعب وقادته.
انها لحظة انكشاف تظهر فيها عورة القوى الأساسية ممثلة باللجنة المركزية الجديدة لحركة فتح، والمكتب السياسي الجديد لحركة حماس وعن يمينهما ويسارهما مجموعة الفصائل التي لا يعرف أحد وزنها الشعبي والسياسي.
ارتعاش يد الرئيس وعجز الفصائل وغياب النخب السياسة والإحباط الشعبي غير المسبوق وحالة اللاثقة، مقدمة لانهيار الهياكل السياسية القائمة وانحدار للجميع نحو الهاوية، وتمثل في نفس الوقت مساحة مناسبة لمشروع الهيمنة الإسرائيلي المستند على القوة وانشغال العالم.
نحن بحاجة إلى عنوان جديد وخطاب جديد وبرنامج واضح وعملي يدرك "التحديات والفرص" ينال ثقة المجتمع ويعبر عنها بوضوح، والأهم أن يكون على قطيعة مع هياكل ومكونات المرحلة السابقة، مع الاهتمام البالغ باستخلاص العبر من تجاربها.