حين يصبح الصمت والتصفيق بديلًا عن المساءلة

2026-10-13 20:15:59

صباح الخير، وإن كان في القلب ما يُثقل هذا الصباح.

كان لدى كثيرين منّا ما يكفي من الأسباب ليتوقّعوا تأجيل الانتخابات، ولتوقّع الحجّة التي ستُقدَّم. هكذا علّمتنا دروس الأمس وتجربتنا مع مواعيد الانتخابات. ومع ذلك، سايرنا رواية كنّا نعرف أنها لا تقول الحقيقة كاملة، حتى صرنا نتصرّف كأننا نصدّقها. وهناك من صفّق، واحتفل، ومدح، ومجّد، واعتبر ذلك دهاءً وحنكة سياسية، بينما كانت النتيجة متوقّعة، بأسبابها السياسية والجغرافية، وبمن أسهم في الوصول إليها.

حتى من مسرح الرحابنة في الستينيات من القرن الماضي لم نتعلّم، خصوصًا نحن أبناء ذلك الجيل. ففي «بياع الخواتم»، اختلق المختار حكاية «راجح»، وجعل نفسه حامي الضيعة من خطر صنعه بخياله، ثم وجد آخرون في الحكاية ستارًا لأفعالهم، فمضوا معها واستغلّوها. واليوم، كأننا نعيد المشهد بطريقتنا: نروي لأنفسنا ما نعرف أنه لا يقول الحقيقة، ونكرّره، ونصفّق له، ونمجّده، حتى نقنع أنفسنا بأنه الحقيقة، وبأنه دليل على الذكاء والدهاء الدبلوماسي. روّجنا الكذبة، ثم صدّقناها، وحين انكشف ما توقّعناه منذ البداية، انتقلنا إلى وعد بعهد جديد، بدل أن نسأل: من صنع الحكاية أصلًا، ولماذا؟ ومن استفاد منها؟ ومن دفع ثمنها؟

ليس صحيحًا أننا لم نفهم؛ المؤلم أننا فهمنا وسكتنا، ومنّا من صفّق بحرارة النصر. ومن اعترض، بقي صوته وحيدًا، ولم يتحوّل اعتراضه إلى موقف جماعي يحمي حق الناس في النقد والاختيار والمحاسبة. وها نحن ننتقل إلى الحديث الأنيق عن الحاجة إلى الحوار الوطني، وكأن الدعوة إليه تكفي لتجاوز خيبة جديدة وأمل ضاع، وكأننا لم نجرّب الحوار من قبل.

وأقول هذا من تجربة شخصية: قضيت سبعة عشر عامًا من عمري وأنا أنادي بالحوار الاجتماعي، من خلال عملي في منظمة العمل الدولية، وبكل ما أوتينا من حجّة وقدرة على الإقناع، بين ثلاثة أطراف فقط من المجتمع الفلسطيني: الحكومة، ومنظمات أصحاب العمل، والنقابات العمالية. ثلاثة أطراف تختلف مصالحها، لكنها تلتقي في حاجتها إلى عمل لائق وإنتاج مستدام وعلاقات عمل عادلة. وكان يُفترض أن تدرك أن الحوار ضرورة لحماية الحقوق، وتحقيق السلامة والأمان، وتعزيز العدالة الاجتماعية للعمال وعائلاتهم.

ومع ذلك، لم ننجح في الوصول إلى ما كنّا نسعى إليه، ولم ننجح في ترسيخ حوار مؤسسي مستقر ومستدام، رغم كل الجهد والمال، ورغم الدعم الفني والمالي والقانوني الذي قُدّم على مدى سنوات. لم تكن تنقصنا البحوث والدراسات، ولا الاطّلاع على تجارب الآخرين، ولا الخبراء المتخصّصون، ولا ورشات العمل والمؤتمرات والاجتماعات. ما كان ينقصنا، في تقديري، هو إرادة الاستماع، وقبول الآخر، والاستعداد للتفاوض والتنازل، والالتزام بتنفيذ ما نتفق عليه.

واليوم نتحدث عن حوار وطني بين أطراف أكثر عددًا، وأعمق خلافًا، وأثقل بتاريخ الانقسام وفقدان الثقة. وأتساءل من واقع تجربة عشتها على امتداد عقود، في أروقة الأمم المتحدة وبين صنّاع القرار الوطني: ما الذي تغيّر حتى ننتظر نتيجة مختلفة؟ وأين كانت هذه الإرادة طوال السنوات الماضية؟ وكم سنة أخرى سنحتاج؟

أنا لا أقلّل من ضرورة الحوار؛ فقد أمضيت سنوات من عمري مؤمنًا به. لكنني لم أعد أستطيع أن أعتبر الدعوة إليه إنجازًا، أو أن أطمئن لمجرد اجتماع الوجوه ذاتها حول طاولة واحدة. أريد أن أعرف: لماذا يجتمعون الآن؟ وماذا سيناقشون؟ وعلى ماذا سيتفقون؟ ومن سينفّذ؟ ومن سيحاسب من يتراجع؟ وكيف سيكون للناس، الذين يتحمّلون نتائج الفشل، صوت مسموع في تقرير مستقبلهم؟

أخشى أننا بلغنا مرحلة لم يعد فيها الناس ينتظرون شيئًا؛ ليس لأنهم بلا وعي، أو لأنهم يجهلون، بل لأن تكرار الخيبات أنهك ثقتهم، حتى أصبح الاستسلام يبدو أقل كلفة من الاعتراض. ولربما وجدوا في المثل الشعبي «لا يُصلح العطّار ما أفسده الدهر» تعبيرًا عن حالهم. سلّمنا أمرنا لمن يملكون القرار، وتركنا لهم الطبل ليجمعنا، والعصا لتُخيفنا وتُفرّقنا عند الحاجة إلى الردع.

لكن مسؤولية من يملك السلطة ليست كمسؤولية من يعيش تحت وطأتها. تعب الناس لا يعفي القيادة من المحاسبة، وصمتهم لا يمنح أحدًا تفويضًا على بياض لمصادرة إرادتهم وإسكات أصواتهم.

لا أرى عصا موسى، ولا أبحث عن معجزة تنتظرنا في قاعة اجتماعات أو فندق أنيق. أرى شعبًا أنهكته الوعود، وأتعبه الانتظار، وتآكلت ثقته، ويستحق دليلًا على أن هذه المرّة ستختلف. الشعب يريد لغة جليّة، والتزامًا واضحًا، وتنفيذًا ملموسًا، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.

ويقهرني فعلًا أن تمضي سنوات عمرك تدعو إلى الحوار، ثم تجدنا، بعد كل هذه التجارب، ما زلنا نناقش ضرورة أن نبدأ من نقطة الصفر، دون وضوح إلى أين يقودنا الطريق. ثم نمضي فيه من جديد، على أمل أن تكون هذه المرّة مختلفة.

سكتنا حتى أصبح الصمت لغتنا، وحتى تعابير وجوهنا بهتت، وصار التصفيق والمديح بديلًا عن السؤال. نحن لا نستحق الظلم، لكننا ندفع ثمن أخطاء لا نواجهها، وتجارب لا نتعلّم منها، ودروس وعبر بقيت حبيسة تقارير رُفعت إلى الجهات المموّلة، ولم تتحوّل إلى ممارسة في مؤسساتنا. وهكذا تركنا حقوقنا معلّقة على وعد بعهد جديد.

وأقولها بأسف، بعد سنوات طويلة من المحاولة: أخشى أن أعظم حوار لن يُصلح ما أفسدته سنوات الانقسام وغياب المحاسبة، ما دامت العقلية ذاتها، وما دام القائمون عليه لا يراجعون مواقفهم وممارساتهم. فالزمن لم يُفسد أحوالنا وحده؛ أفسدتها مواقف وقرارات اتُّخذت، والتزامات لم تُحترم، وأخطاء تُركت بلا حساب.

وما صنعه البشر لا يصلحه مرور الوقت، بل شجاعتهم في الاعتراف والتغيير، وشجاعتنا في أن نُسمع أصواتنا بتعقّل ووضوح.