نحن والغرب والديمقراطية

2026-10-14 15:00:32

لعب الغرب الامبريالي بمكوناته كافة دورا أساسيا في نكبة وابتلاء الشعب العربي الفلسطيني، بإقامة دولة إسرائيل اللقيطة النازية، لخدمة أهدافه الاستعمارية، والتخلص من المسألة اليهودية في أوروبا، وإن تفاوتت المسؤولية عن الكارثة بمعايير نسبية، وواصلت تلك الدول الشراكة والدعم ومد إسرائيل بمقومات البقاء عسكريا واقتصاديا وماليا وسياسيا ودبلوماسيا واعلاميا، وفي مختلف المحافل الإقليمية والدولية، وهيأت لها كل أسلحة الفتك والعدوان ومواصلة الحروب ضد العرب والفلسطينيين على مدار عقود وجودها، وحتى يوم الدنيا هذا في العام 2026، وصمتت على جرائم حروبها وابادتها على الشعب الفلسطيني في وطنه الام فلسطين ودولته المحتلة، ومازالت تتلكأ وتصطك اسنان قياداتها قبل أن تتخذ مواقف سياسية وفقا للشرائع والمعاهدات والقوانين وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
مع ذلك، تعاملت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية وحكوماتها المختلفة مع دول الغرب الامبريالي بدءً من الولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة منذ اتفاقية أوسلو 1993، وصولا لآخر دولة، وحتى الان بشكل إيجابي وقدرت وثمنت المواقف والخطوات الإيجابية التي اتخذتها تلك الدول، وقدمت القيادة الفلسطينية تنازلات غير مسبوقة من أجل دفع عربة السلام قدما للأمام، ومازالت رغم الإبادة الجماعية الوحشية والكارثية تتمسك بخيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، لكن بعض دول الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة يريدون فرض الاملاءات على الشعب الفلسطيني وقيادته، وحرف بوصلته عن مشروعه الوطني، وتطويعه ليكون أداة رخيصة، ودون هوية وشخصية وطنية، وبلا استقلالية ناجزة لدولته، وفي الوقت ذاته، تتساوق مع المشروع الصهيوني وقاعدته المادية إسرائيل النازية، رغم مرور 79 عاما على قرار التقسيم الدولي الصادر في 29 تشرين ثاني / نوفمبر 1947.
وما كان للغرب أن يعترف بالدولة الفلسطينية، (مازالت واشنطن وبرلين وغيرها من عواصم الغرب لا تعترف بالدولة والحقوق السياسية والقانونية الفلسطينية)، الا بعد كفاح وطني امتد على مدار عقود الصراع الطويلة، فضلا عن الحروب الإسرائيلية على دول الطوق العربية، وحتى خارج نطاق الطوق بوسائل واشكال مختلفة، وبالتالي لم يأت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولا تقديم مساعداته المالية واللوجستية هباءً ولا كرم اخلاق أو مِنّة، انما نتاج نضال كان ومازال وسيبقى الى ان يحقق الشعب أهدافه الوطنية كاملة غير منقوصة، وبفضل التحول الاستراتيجي للرأي العام الغربي لصالح الشعب والقضية الفلسطينية نتاج صعود النازية الإسرائيلية الى اعلى درجاتها، مما أوقع الغرب وخاصة دول الاتحاد الأوروبي عموما في تناقض مع ما تطرحه وتنادي به وتدعو اليه، من حقوق انسان وديمقراطية وعدالة اجتماعية، ودفعها دفعا للتراجع النسبي عن مواقفها التاريخية المعادية للشعب الفلسطيني وحقوقه ومصالحه الوطنية.
وارتباطا بما تقدم، لا يجوز لأي دولة من دول الغرب، التي اعترفت بالدولة الفلسطينية أو غيرها، فرض املاءات على الشعب والقيادة الفلسطينية، وتحديد ما يناسب الشعب مما لا يناسبه، واذا كان لشعب مارس الديمقراطية بشكل واقعي ووفق شروط نضاله الوطني، قبل وبعد إقامة السلطة الوطنية، فهو الشعب الفلسطيني، وكانت ديمقراطية غابة البنادق الفلسطينية، من خلال دورات المجلس الوطني المتعاقبة عنوان الديمقراطية، وبعد إقامة السلطة 1994، أجرى الشعب الانتخابات العامة، واختار ممثليه في المجلس التشريعي، وانتخب رئيسه السابق الشهيد البطل الرمز ياسر عرفات، والرئيس الحالي محمود عباس، ولكن الانقلاب الحمساوي، المدعوم من إسرائيل والولايات المتحدة وبعض دول الإقليم من عرب وعجم، حال دون مواصلة الخيار الديمقراطي، كما أن دولة النازية الإسرائيلية وضعت ومازالت تضع العراقيل لإجراء الانتخابات التشريعية والوطنية في القدس العاصمة، وأضيف بعد الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في إثر السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، ومع انفلات الجرائم الوحشية التي ترتكبها عصابات المستوطنين وبدعم ومشاركة من جيش الموت الإسرائيلي في عموم الضفة الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية بات من الصعب اجراء الانتخابات التشريعية، وليس نتاج رفض القيادة الفلسطينية، أو لأن الرئيس عباس لا يريد اجراءها، بل العكس صحيح. لأن الانتخابات كانت وستبقى مصلحة وطنية عليا، ليس للاعتبار الاجرائي، انما لأنها تحمل ابعادا سياسية وقانونية، في حماية وحدة الأرض والشعب والكيانية الفلسطينية وتجديد الهيئات القيادية، ولتعزيز الصمود على أرض الوطن الام. وبالتالي الشعب الفلسطيني وقيادته هم أصحاب مصلحة حقيقية في الانتخابات.  
وعليه لا يجوز لكائن من كان، أن يشكك بمصداقية القيادة في هذا الملف، كما لا يجوز لأي زعيم غربي أن يتطاول على القيادة الفلسطينية، أو يملي قراراته عليها. فالتأجيل لم يكن رغبة ذاتية، انما نتاج الواقع القائم وجرائم الإبادة الجماعية الوحشية الإسرائيلية والشرط الموضوعي والذاتي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. والقيادة الفلسطينية وفصائلها الوطنية والشخصيات المستقلة أقدر على تحديد المصالح العليا للشعب، وهي الاقدر على تحديد تاريخ اجراء الانتخابات.