نكبة الزيتون.. لقمة مغمسة بالدم!
في بواكير العمر، وميعة الصبا، كنا نعتقد أن العبارة المأثورة الدارجة على ألسنة آبائنا وأجدادنا "لقمة مغمسة بالدم" كانت مجرد "صيغة مبالغة"، ولم نكن ندرك أن تلك الصيغة المتداولة ستتحول إلى واقعٍ يوميّ يعيشه المزارعون، في زمن الإرهاب المنظم لعصابات المستوطنين التي تهاجم المزارعين في حقول الشقاء، وهم يَجدّون الزيتون، ليصير زيتاً مضيئاً يُزيّن الموائد في الصباحات المفعمة بالحيوية والنشاط، فتشحن الأجساد بالطاقة والأمل، فـ"الخبز والزيت سبعين في البيت"، كما يقول المثل الطالع على أغصان الشجرة المباركة.
لم يعد يومٌ يمر إلا وتتصدر شجرة الزيتون عناوين الأخبار على الشاشات والمنصات والحوائط الافتراضية ومانشيتات الصحف اليومية، وتفرد الفضائيات مساحاتٍ واسعةً لمناقشة أسباب وتداعيات تلك الاعتداءات الوحشية التي تسيل خلالها دماء الفلاحين، فتختلط بالزيتون، فتنقلب فرحة القطاف إلى مأتمٍ يودع فيه الفلاحون أعزاءهم، الذين غادروهم فجأةً في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون مناسبةً للبهجة.
في رصدٍ لحجم الكارثة، فإن عشرات آلاف الأشجار قُطعت، ومثلها حوصرت ومُنع أصحابها من قطافها، فيما يسطو الإرهابيون على المحصول بعد قطافه، ويتركون الفلاحين يتجرعون المرارة مرتين؛ مرةً من تعب القطاف، وأُخرى بضياع "شقا العمر"؛ موسم القطاف الذي ينتظرونه على أحرّ من الجمر لسداد ديونهم، وتعليم أبنائهم، ودرء غائلة الفقر والمسغبة عن أسرهم.