الفصائل ... وصاية بلا تفويض

2026-10-14 15:04:39

 

خلاصة القول: حين أوصت معظم الفصائل بتأجيل الانتخابات التشريعية، وصادقت اللجنة التنفيذية (يوم السبت 10 تشرين الأول) بالإجماع على ترحيلها إلى أيلول 2027، تكون بذلك قد كرست الوصاية بلا تفويض، وأدارت ظهرها لنبض الشارع ورغبته في عقدها، وأكدت عدم أهليتها لتمثيل جماهيرها، وانتقلت إلى حالة "إكرام الميت دفنه".

بهذا القرار، صادرت اللجنة التنفيذية حقنا في انتخاب من يمثلنا في المجلس التشريعي، واستجابت من حيث لا تدري للإرادة الإسرائيلية بمنع الانتخابات في القدس وغزة، بدلاً من الإصرار على عقدها، وفضح إسرائيل أمام العالم عند منعها، وتحميلها مسؤولية تعطيل مسار الإصلاح وتداول السلطة بالانتخاب لدينا.  والمفارقة أن التحديات الوجودية التي نواجهها، لم تردع النظام السياسي عن تأجيلها، رغم أن عقدها  كان سيشكل رافعة استراتيجية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وضخ دم جديد في السلسلة القيادية والتمثيلية.  وفي ضوء التأجيل غير المسبب والتجارب السابقة، فإنني أشكك بعقدها في موعدها الجديد/البعيد، ما لم تتم بالإكراه الإقليمي والدولي.

منذ صدور مرسوم الانتخابات في 9 تموز 2026، الذي حدد يوم 28 تشرين الثاني موعداً للاقتراع، حَذَّرْتُ في أكثر من مقال من أنها لن تُعقد لأسباب داخلية وخارجية. ومع ذلك اقترحت استمرار التحضير لها حتى النهاية، وتذليل العقبات الداخلية التي قد تحول دون تنفيذها، حتى نحمّل الجانب الإسرائيلي مسؤولية وتبعات منعها في القدس وغزة.

لم يكن التأجيل مفاجأة لأحد، فليس في قاموس "الحركة الوطنية الرسمية" ما يُلزمها بتداول السلطة وتجديد الشرعية عبر الصندوق، وتاريخها متخماً بالتمثيل بالتعيين أو التزكية أو الانتخابات الصورية.  ناهيك عن أن الإرادة السياسية لعقد الانتخابات غائبة منذ عقدين، على الرغم من الوعود والالتزامات بعقدها دورياً، من باب الاستجابة للمطالبات الشعبية وطنياً، والضغوط السياسية والاقتصادية إقليمياً ودولياً.

إن معظم فصائل اليوم، و م.ت.ف. بواقعها الحالي، غريبة عن تاريخها النضالي العريق، حين كانت تمثلنا بإرادتنا وخيارنا، بانتخاب أو بدونه، واعتبرناها إكسير حياتنا وأيقونتها، ولو كلفنا ذلك الاستشهاد أو الاعتقال الطويل.  هذه الكيانات، تحتكرها اليوم قلة متنفذة متنمرة مستفيدة، تعتبر نفسها وتتصرف على أنها مالكة المشروع الوطني، وتستخدمها سيفاً عند الحاجة إلى تمرير ما يخدمها، ودليلي أنه لم يتجاوز حضورها في مشهد التأجيل دور الكومبارس.  ولذلك، من غير المسموح أن يدعي أي فصيل جلس على طاولة اللجنة التنفيذية يوم قرار التأجيل أن القرار جاء خلافاً لإرادته، فقد كان المسرح مفتوحاً للتصويت ضد القرار، ولم نسمع بأن أياً منها فعل ذلك.

إن هذا ليس جديداً علينا.  فمنذ استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات عام 2004، درجت الفصائل على عقد لقاءات للبحث في ملف الوحدة الوطنية وتفعيل م.ت.ف.، من إعلان القاهرة (آذار 2005) إلى اتفاق مكة (شباط 2007)، الذي وُقّع في جوار الكعبة المشرفة، ولم يصمد أكثر من أربعة أشهر قبل أن ينتهي إلى الانقسام، فالقاهرة (أيار 2011)، فالجزائر (تشرين الأول 2022)، فبكين (تموز 2024). وفي كل مرة توقع الفصائل وثيقة شاملة لا يُشق لها غبار، تبشر بانطلاقة ثورية جديدة، وعفا الله عما مضى، ثم يكتشف الشعب، مجدداً، أنها كلام قاصر يذوب على عتبات القيادة الأبدية، يتدثر به النظام السياسي لإحكام سيطرته، بينما يتعمق احتكار السلطة ومنافعها والتلاعب بمصير الأمة.  أما الشعب، فلم يسأله أحد رأيه في أي منها.

التمثيل لا تصنعه المراسيم ولا بيانات الحوار، وليس وشماً على جدار القلب يدوم مفعوله للأبد، بل يصنعه برنامج يُختبر على الأرض، وسلوك يحمي الناس حين يحتاجونه. لا جدال بأن للفصائل تاريخاً نضالياً نعتز به، تتقدمه قوافل الشهداء، لكن الفجوة بينها وبين جماهيرها اتسعت، وتخلّت عن أولوية الكفاح الشعبي ضد الاحتلال ومستوطنيه، ومن يتخلف منها عن صون مصالحنا الوطنية سيتجاوزه التاريخ.  لقد ولدت الفصائل من رحم النكبة والنكسة والهزائم العربية بانعكاساتها على قضيتنا الفلسطينية، وعملت على توحيد شعبنا تحت راية الكفاح لتحرير فلسطين. 

أين هي اليوم من تاريخها وبرنامجها الذي حصلت على شرعيتها النضالية والسياسية استناداً إليه؟ حين كان ناموسها وبرنامجها ولغتها بندقية الثائر، والتي بسببها لم نكن نبالي بحجم الفصيل وهويته وطبيعة تمثيله، ما دامت بوصلته واضحة وبندقيته نظيفة.  تلك الفصائل كانت تمثلنا بلا برامج انتخابية ولا صندوق اقتراع.  إن معظم هذه الفصائل،  تديرها قيادات غير منتخبة بلا قاعدة جماهيرية تنفذ أجندتها الوطنية، والأنكى أنها غير قابلة للمساءلة.  وعلى الرغم من محدودية نفوذها في الشارع، فإنها تفرض وصايتها علينا باسم التاريخ الغابر، وتستحوذ على تمثيلنا رغم أنفنا ورغم قلة من تمثل، وتشارك في إفراغ م.ت.ف. من محتواها ووظيفتها كإطار تمثيلي جامع، وتقرر نيابة عنا ودون استشارتنا أن لا حاجة إلى الانتخابات، وتعلق خيبتها على شماعة الحرص على توفير بيئة حاضنة للتوافق ووحدة وطنية غيبية.  

إن الفصائل ليست قدراً، ومن الطبيعي أن تُشيع واحدا بعد الآخر نتيجة لجمودها وعدم تأثيرها وعدم تمسكها بجماهيرها، واستمرار العطاء النضالي.  فهي لم تعد أكثر من كارتيل يراعي مصالحه في استثمار القضية والوضع القائم، يختار خطواته ومعاركه بعناية، حتى لا يفقد شرعية، يمنحها رضى الربان ويحجبها غضبه. إنها كارتيل غافل عن واقع تطال فيه عربدة المستوطنين وفتية التلال وزعرنتهم في المغير وبرقة وقصرة وغيرها الكثير من المواقع، التي تتحول فيها القرى والبلدات الفلسطينية إلى كنتونات صغيرة في سجن كبير، لا يعلم أي من سكانها أين ومتى يأتيه الدور في البطش والتنكيل والنهب.  فأين كوادر الفصائل وأنصارها من المقاومة الشعبية السلمية؟، التي أعلنتها القيادة طريقاً وحيداً للكفاح الوطني، وهي ترى بأم أعينها أن المواطن (جمهورها) الأعزل يواجه وحيداً زعران المستوطنين.

ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد على الفصائل كي تعود إلى رشدها، وتنحاز إلى شعبها لا إلى مقاعدها، فتؤكد قولاً وفعلاً أن الانتخاب هو السبيل الوحيد لتداول السلطة وتجديد الشرعيات على كافة المستويات، وتعمل على تجسيد ذلك في مؤسساتها، وتعود عن موافقتها على التأجيل.  وإن أصرت القيادة على التأجيل، فأضعف الإيمان أن تعلّق عضويتها في اللجنة التنفيذية، إلى حين تحقيق مطالبها بالعودة عن القرار، حتى لا تبقى شاهد زور على مصادرة حق شعبها في اختيار من يمثله من خلال الصندوق، ولا شيء غير الصندوق.

وماذا بعد؟

لا بد من مصارحة الشعب بحقيقة ما جرى. ولا بد من حراك جماهيري وشعبي يفرض قانوناً عصرياً للأحزاب، يفتح الباب لنشوء تنظيمات وتجمعات جديدة، يشكل الشباب والنساء عمودها الفقري، لتبدأ مرحلة من الحياة السياسية عابرة للفصائل والكيانات المتشبثة بتاريخ انقضى، ولا مكان لأحداثه إلا بين دفتي كتب المؤرخين.