خاص| من تعويض الفاقد إلى استعادة التعلم.. كيف يمكن إنقاذ التعليم في فلسطين؟
أكد الخبير التربوي والوكيل السابق لوزارة التربية والتعليم، ثروت زيد الكيلاني، أن واقع التعليم في فلسطين يشهد تدهورًا متراكمًا يتجاوز مفهوم الفاقد التعليمي التقليدي، محذرًا من أن استمرار تقليص زمن التعلم وتراجع أيام الدوام المدرسي يهددان قدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق أهدافها وضمان حق الطلبة في التعليم.
وقال الكيلاني، في حديث خاص لـ"رايـــة"، إن نتائج الدراسات الدولية، ومنها اختبارات "بيزا" و"تيمس"، لم تكن مفاجئة، في ظل تراجع زمن الحصة الدراسية من خمس وأربعين دقيقة إلى أربعين دقيقة منذ عام 2007، إلى جانب الإضرابات وانقطاع الدوام، ثم تداعيات جائحة كورونا وما رافقها من تحول إلى التعليم المدمج وفقدان جزء كبير من العام الدراسي.
وأضاف أن تقليص أيام الدوام المدرسي في السنوات الأخيرة، وصولًا إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا في بعض الترتيبات، فاقم الأزمة التعليمية، مشيرًا إلى أن دوام المعلمين في الأيام نفسها يحول دون تمكّنهم من تقديم النصاب التعليمي المعتاد للطلبة.
وأوضح أن هذه الظروف انعكست على اكتساب الطلبة المهارات الأساسية، لا سيما القراءة والكتابة والحساب والعلوم، فضلًا عن الفاقد النفسي والاجتماعي والعاطفي، خاصة لدى طلبة الصفوف الأساسية الأولى الذين يحتاجون إلى انتظام التعليم واستمراريته.
وأشار الكيلاني إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على فجوات في المعارف والمهارات يمكن تعويضها ببرامج علاجية، بل أصبحت مرتبطة بتراكم الفاقد عبر الصفوف الدراسية، ما يجعل انتقال الطلبة إلى مراحل تعليمية أعلى دون امتلاك المهارات الأساسية تحديًا متزايدًا.
استعادة التعلم بدلًا من استكمال المنهاج
وشدد الكيلاني على ضرورة الانتقال من التركيز على استكمال المنهاج إلى استعادة التعلم، عبر حماية زمن الحصة الدراسية وإعادة تنظيم أيام حضور المعلمين بصورة مرنة، بما يتيح زيادة عدد الحصص التي يتلقاها الطلبة في ظل الظروف الراهنة.
وبيّن أن إعادة توزيع دوام المعلمين على أيام الأسبوع، بدلًا من تجميعه في ثلاثة أيام، يمكن أن تسهم في الحد من تآكل زمن التعلم، مستشهدًا بمحاكاة أعدّها لجدول مدرسي أظهرت إمكانية رفع عدد الحصص المقدمة للطلبة مقارنة بالترتيبات الحالية.
وأكد أن هذه الإجراءات تظل حلولًا مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، مشددًا على ضرورة صون كرامة المعلم وضمان حق الطالب في التعليم، والعمل على وضع خطة وطنية للتعافي وإعادة بناء المنظومة التعليمية، لا سيما في قطاع غزة الذي تعرض فيه التعليم لدمار واسع جراء الحرب.
خطة وطنية بمشاركة مختلف القطاعات
ولفت الكيلاني إلى أن معالجة الأزمة لا تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وحدها، رغم مسؤوليتها الأساسية عن قيادة العملية، بل تتطلب مشروعًا وطنيًا تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص ورؤوس الأموال الوطنية والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الاستفادة من مساهمات الفلسطينيين في الخارج.
وأوضح أن المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص يمكن أن تسهم في بناء المدارس ودعم المعلمين وتوفير احتياجات المؤسسات التعليمية، داعيًا إلى البناء على المبادرات السابقة وتطويرها بدلًا من إلغائها مع تغير الإدارات.
وانتقد الكيلاني استمرار العمل بتدابير وصفها بالمؤقتة لسنوات، داعيًا إلى مراجعة الإجراءات المتعلقة بتنظيم العملية التعليمية، ووضع حلول مستدامة تتناسب مع حجم الأزمة، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات ترقيعية.
كما حذر من تراجع الدافعية المجتمعية تجاه التعليم في ظل الأزمات الاقتصادية والفقر وأزمة الرواتب، مؤكدًا أن التعليم يمثل قضية وطنية وأحد مرتكزات الأمن الوطني، وأن استعادته تتطلب قرارًا جريئًا على مستوى صناع القرار.
إعادة بناء المنظومة التعليمية وحماية الهوية الفلسطينية
ودعا الكيلاني إلى إعادة هندسة المنظومة التعليمية وتصميمها على أساس خطة وطنية تراكمية تستفيد من الخبرات والدراسات السابقة، بدلًا من إلغاء ما أُنجز مع كل تغيير إداري، مؤكدًا أهمية تحقيق السيادة في صنع القرار التعليمي وتحديد معايير المعرفة، ضمن بوصلة وطنية يشارك في صياغتها الخبراء والباحثون ومختلف فئات المجتمع الفلسطيني.
وأشار إلى ضرورة تطوير المناهج بما يحافظ على حضور السياق الفلسطيني والهوية الوطنية، ويعزز قدرة الطلبة على التعامل مع التحولات المعرفية والتكنولوجية، بما فيها الذكاء الاصطناعي.
وختم الكيلاني بالتأكيد أن التحدي لا يقتصر على تعويض ما فُقد من تعلم، بل يتمثل في إعادة بناء القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة وحمايتها واستدامتها، وصون حق الأجيال المقبلة فيها، بما يحافظ على إنسانية المجتمع الفلسطيني وهويته.