حراك شعبي سلمي بالتزامن والحوار الوطني المُرتقب
بضرف النظر عن الاجحاف الذي لحق بالمواطن الفلسطيني ، حين صُودرت احد اهم حقوقه الاساسية ، بانتخاب من يُمثله وينقل همومه ويُتابع شؤونه ويُحسن من اوضاعه ويُعيد ترتيب اولوياته ، بما يكفل له حياة كريمة ، ويرفع سوط المراسيم عنه والتي تأخذ مكانة القوانين ، وبعيدة عن واقعه وما يُعايشه ، الا ان السبب الرئيس الذي كان يقف وراء تاجيل الانتخابات التشريعة ، غير المُعوقات الاسرائيلية بمنع لجنة الانتخابات من مُمارسة عملها في قطاع غزة والقدس ، هو إتاحة الفرصة للفصائل الفلسطينية - التي لم تتفق من قبل على اي مما يخص معاناة الشعب الفلسطيني كما الاتفاق على تاجيل الانتخابات – للجلوس على مائدة حوار وطني شامل برعاية مصرية ، كما يبدو تختلف مُعطياتها عن سابقاتها من جلسات حوار خلال العقدين الماضيين ، كانت جميعها قد باءت بالفشل !!
لا ضير من ذلك ، ولكن هناك عدة ملاحظات ، يتوجب ذكرها :
اولا : الانتخابات التشريعية كانت قد تاجلت مرتين من قبل الثالثة هذه ، الاولى كانت عام 2010 والاخرى عام 2021 ، والاحتلال كان دوما الشماعة التي تعلق عليها القيادة ذرائعها للتأجيل .
ثانيا : ضبابية المشهد الفلسطيني ، وحالة فقدان الثقة بين القيادة والشعب ، والفساد والمحسوبيات التي تدور في فلكها السلطة الفلسطينية ، ولد حالة من اللامبالاة لدى عامة الناس ، وتشكيك بجدية القيادة ومن لف لفيفها ، في اجراء الانتخابات .
ثالثا : على مدار اكثر من عقدين من الزمن ، وبالرغم من احداث مريرة عصفت بالساحة الفلسطينية وما زالت وكانت تستحق الحوار والاتفاق ، وبالرغم مما حدث وما زال يحدث ، حتى اصبحت غزة مكلومة ، والضفة موجوعة ، والقدس وحيدة حزينة ، عدوان بربري طال جميع اشكال الحياة في قطاع غزة ، الضفة الغربية مُقطعة الاوصال ، واعتداءات مُمنهجة يُنفذها مستوطنون متطرفون مسلحون وبحماية قوات الاحتلال ، بحق عُزل طالت الحجر والبشر ، والانعام لم تسلم ايضا ، وخطر الضم وابتلاع الارض والتهجير يتهددها ، القدس ودرتها المسجد الاقصى في مرمى التهويد والتهجير ، الاسيرات والاسرى يبيتون في معتقلاتهم جوعى ، ويُنكل بهم بشتى اصناف القهر والعذاب ، ولم تتفق الفصائل بحواراتها وجدالاتها واشتباكاتها ، على اي من هذه المواضيع رغم سخونتها ، كما اتفقت ، وتكاد تكون لاول مرة في تاريخها على موضوع واحد ، وهو تاجيل الانتخابات !!
رابعا : طالما كانت الانتخابات مصدرا للتوتر بين الفصائل ، وتاجيلها كان يُسبب انقسامات في صفوف الشارع ، بين الحماس والفتور ، بين مُؤيد ومُعارض .
خامسا : التأجيل للانتخابات هذه المرة ، تحاول الفصائل مُجتمعة ، تسويقه على انه مصلحة وطنية ، فيما حقيقة الامر انه كان تجنبا لاختبار شعبي صعب ، ومخرجاً من مازق قد يكشف حجم شعبية كل فصيل الحقيقية أو يضع أداءها تحت المراقبة ، واعتبرته فرصة لإجراء حوار وطني شامل لإصلاح منظمة التحرير ، وإنهاء الانقسام الداخلي قبل الاحتكام لصناديق الاقتراع ، فيما واقع الحال يقول ان جميع الفصائل مأزومة وتبحث عن مخرج يُنقذها من أزمتها تهربا من المساءلة والمحاسبة .
سادسا : المُنتقدون والمُعارضون للقيادة وأداءها ، ادانوا واستنكروا وشجبوا وكتبوا وصرخوا ضد التأجيل ، مُعتبرين ان القيادة والفصائل هم فقط المُستفيد من الاجراءات المُتبعة على حساب الشعب الذي حُرم من ابسط حقوقه المدنية ، اضافة الى انهم يرون أن التوافق الذي جرى بتأجيل الانتخابات ، يُثبت تهرب القيادات من استحقاق التجديد السياسي والمساءلة خوفا من خسارة المكاسب والنفوذ القائم ، ما يؤدي إلى تعميق أزمة الشرعية السياسية في النظام .
في ضوء ما سبق ، هل الفصائل جادة حقا في حوار وطني شامل يخرج بنتائج ، من شانها مُعالجة الحالة الفلسطينية الراهنة ، واستراتيجية واحدة موحدة تتصدى للاجراءات الاحتلالية ؟ ام ان نتائج الحوار ستكون المُحاصصة فيما بينها وتقاسم الكعكة حتى لا يكون هناك خاسرا او فائزا بعيدا عن المزاج الشعبي الراغب بالتغيير؟!
وفق التجارب الماضية ، نجاح الحوار الوطني ليس مضمونا ، ولكن ان كانت الفصائل هذه المرة جادة حقا ، فان نجاح التوافق بينها يتوقف على مجموعة من العوامل والمُستلزمات السياسية والميدانية التي تضمن تحويل التوافقات إلى واقع مُستدام ، واولا واخيرا تغليب المصلحة الوطنية العليا ووضع القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب فوق الاعتبارات والحسابات الحزبية والفئوية الضيقة ، وانهاء الانقسام بين شطري الوطن واعتماد مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية ، وإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته عبر صندوق الاقتراع والمسار الديمقراطي ، والابتعاد عن الاجندات والضغوطات الاقليمية والخارجية التي من شأنها ان تُعطل مُخرجات الحوار، واشراك مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات ومُمثلين عن النساء والشباب ، القادرين عن التعبير عن الاولويات المُجتمعية ، ومن ثم الانتقال من إدارة الأزمة وترحيل الخلافات إلى وضع جداول زمنية وآليات واضحة ومُلزمة لترجمة ما يتم الاتفاق عليه على أرض الواقع .
ووسط اجواء انعدام ثقة الشارع والقواعد بالقيادة والسلطة والفصائل ، يجب ان تتزامن جلسات الحوار الوطني بموجة كبيرة من الحراك الشعبي السلمي ، يُشارك فيه عامة الناس وكوادر الفصائل الحريصين على المصلحة الوطنية العليا دون استثناء ، وعدم الاكتفاء بالبيانات والتصريحات ، ولو ادى الامر للنزول الى الميادين والاعتصام بالخيام طيلة ايام الحوار .
لماذا الحراك الشعبي ؟ لانه صمام امان لمنع تحول الحوار الى لقاءات صورية لإدارة الأزمة بدلاً من حلها ، ويُلزم المُتحاورين بخطوات عملية وملموسة وجدول زمني مُحدد ، للانتقال من مربع التوافقات النظرية إلى الإجراءات الحقيقية على الأرض ، والتركيز على أن تأجيل الانتخابات يجب أن يكون فرصة لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات ديمقراطية شاملة ( تشريعية ، ورئاسية ، والمجلس الوطني ) وتجديد الشرعيات ، ورفض تحويل التأجيل إلى حالة دائمة ، واخيرا وليس اخرا ، الحراك الشعبي عامل ضاغط لإنهاء مظاهر التفرد بالقرار ، وانهاء الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تحت مظلة نظام سياسي مُوحد يتبع منظمة التحرير الفلسطينية بعد الاتفاق على اعادة هيكلتها وتفعيلها بما يضمن مشاركة الكل الفلسطيني في أُطرها ، وباعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني بكل مُكوناته .