خاص | منازل مهددة ومحال مغلقة.. أزمة الوجود الفلسطيني بالقدس تتفاقم

2026-10-15 10:10:51

تتواصل المخاوف من تصاعد سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في مدينة القدس، في ظل اتساع نطاق أوامر الهدم والتهديدات التي تطال أحياء وتجمعات مقدسية عدة، وسط تحذيرات من أن تتحول هذه السياسة إلى أداة رئيسية للضغط على السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة المدينة.

وقال مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، زياد الحموري، إن عمليات الهدم لم تعد تقتصر على حالات فردية أو منازل محددة، بل باتت تشمل، وفق ما أورده، عمليات هدم جماعي في عدد من المناطق، مشيراً إلى أن أحياء مقدسية تواجه تهديدات متزايدة، من بينها قلنديا وسلوان والعباسية.

وأوضح الحموري، في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن عمليات الهدم قد تطال عشرات الوحدات السكنية في يوم واحد، مستشهداً بهدم نحو 40 وحدة في منطقة قلنديا، إضافة إلى عمليات هدم سابقة طالت نحو 35 شقة سكنية خلال يوم واحد، بحسب ما ذكره.

وأضاف أن هذه الوقائع تعكس، من وجهة نظره، اتساع نطاق سياسة الهدم واستخدامها وسيلة للضغط على المواطنين المقدسيين، في سياق ما وصفه بمحاولات دفعهم إلى ترك منازلهم ومغادرة مدينتهم، محذراً من تداعيات استمرار هذه الإجراءات على الوجود الفلسطيني في القدس.

عشرات آلاف أوامر الهدم ومخاوف من التهجير

وأشار الحموري إلى وجود أعداد كبيرة من أوامر الهدم الصادرة عن المحاكم الإسرائيلية، لافتاً إلى أن التقديرات التي تحدث عنها تتراوح بين 23 ألفاً و30 ألف أمر هدم، إضافة إلى الأوامر الإدارية، محذراً من أن تنفيذ هذه الأوامر قد يؤدي إلى تشريد ما بين 100 ألف و150 ألف فلسطيني في القدس.

وأكد أن هذه الأرقام، إذا تحولت إلى عمليات هدم فعلية، ستترتب عليها تداعيات إنسانية واجتماعية واسعة، في ظل ما تعنيه من فقدان آلاف العائلات لمساكنها ومصادر استقرارها، واضطرارها إلى البحث عن أماكن بديلة للسكن في ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن مخاطر الهدم لا تقتصر على القدس، بل تمتد إلى مناطق أخرى داخل الأراضي الفلسطينية، بما فيها البلدات العربية داخل أراضي عام 1948، مشيراً إلى وجود نحو 60 ألف منشأة أو منزل مهدد بالهدم، وفق الأرقام التي أوردها خلال المقابلة.

المحاكم الإسرائيلية وخيارات محدودة أمام العائلات

وحول الخيارات المتاحة أمام العائلات المقدسية التي تتعرض منازلها للهدم، قال الحموري إن المحاكم الإسرائيلية تمثل الوجهة الأساسية أمام السكان للاعتراض على قرارات الهدم، لكنه شكك في قدرة هذه المحاكم على إنصاف الفلسطينيين، سواء في القدس أو في مناطق أخرى.

وأضاف أن بعض العائلات تضطر إلى إعادة بناء منازلها بعد هدمها، لتواجه خطر الهدم مجدداً، في حين تضطر عائلات أخرى إلى البحث عن بدائل سكنية مؤقتة، قد تكون بالغة الصعوبة ولا توفر الحد الأدنى من الاستقرار.

وأشار إلى أن الملاحقات المرتبطة بالمباني والسكن في القدس تطال، بحسب حديثه، حتى بعض أشكال الإيواء البديلة، مستشهداً بحالات اضطر فيها السكان إلى الإقامة في حافلات بعد هدم منازلهم، قبل أن تتعرض هذه البدائل للملاحقة أيضاً.

وشدد على أن هذه الإجراءات تضع العائلات أمام خيارات محدودة، بين خوض مسارات قانونية طويلة ومكلفة، أو إعادة البناء مع احتمال الهدم مجدداً، أو مغادرة مساكنها تحت وطأة الضغوط المتراكمة.

الضرائب والفقر يفاقمان معاناة المقدسيين

وأكد الحموري أن الهدم ليس الأداة الوحيدة التي تضغط على الفلسطينيين في القدس، موضحاً أن هناك وسائل أخرى، بينها الأعباء الضريبية والضغوط الاقتصادية وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال إن معدلات الفقر في القدس تتراوح، وفق الأرقام التي ذكرها، بين 78% و80%، معتبراً أن هذه النسب تعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها السكان، وتفسر اضطرار بعض المقدسيين إلى البحث عن فرص عمل وسبل للعيش خارج المدينة.

وأضاف أن مئات المحال التجارية في البلدة القديمة تواجه الإغلاق بصورة شبه دائمة، نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تؤثر في حركة النشاط التجاري وقدرة أصحاب المحال على الاستمرار.

وأوضح أن تراكم هذه الظروف، إلى جانب التهديدات المرتبطة بالسكن والهدم، يزيد من هشاشة الأوضاع المعيشية للسكان، ويجعل المقدسيين أمام ضغوط متعددة تمس استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي وقدرتهم على البقاء في المدينة.

وأشار الحموري إلى أن خطر التهجير لا يقتصر على فئة أو حي بعينه، بل يمكن أن يطال مختلف شرائح المجتمع المقدسي، في ظل تعدد أدوات الضغط وتداخل آثارها على الحياة اليومية للسكان.

انتقادات للمجتمع الدولي ومطالب بتحرك فعلي

وفي ما يتعلق بموقف المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية، اعتبر الحموري أن الحرب على قطاع غزة كشفت، بحسب وصفه، محدودية قدرة المؤسسات الدولية على تحويل القرارات والإدانات إلى إجراءات عملية تضمن حماية الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وقال إن بعض المحاكم الدولية اتخذت قرارات خلال الفترة الماضية، إلا أن المشكلة، وفق رأيه، تكمن في عدم تنفيذها، مشيراً إلى ما وصفه بتأثير الولايات المتحدة في التعامل الدولي مع السياسات الإسرائيلية، وإلى دور المواقف الدولية في الحد من فرص المساءلة الفعلية.

وأضاف أن استمرار الاكتفاء بالتقارير والبيانات والإدانات، من دون اتخاذ خطوات عملية لوقف عمليات الهدم وحماية السكان، يثير تساؤلات جدية بشأن فاعلية منظومة القانون الدولي والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان.

وفي المقابل، أشار إلى أن التحركات الشعبية والتظاهرات الداعمة للفلسطينيين في دول مختلفة تمثل مصدر أمل، معرباً عن تطلعه إلى أن تسهم هذه التحركات في إحداث تغييرات في مواقف الحكومات، وأن تدفع المؤسسات الدولية إلى الاضطلاع بدورها في حماية الحقوق الفلسطينية.

واستعاد الحموري انتقادات أُثيرت في أوساط أكاديمية وقانونية بشأن قدرة القانون الدولي على حماية المدنيين، معتبراً أن ما شهدته غزة أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مدى فاعلية القواعد القانونية الدولية عندما يتعلق الأمر بوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

واختتم الحموري حديثه بالتأكيد على أهمية الانتقال من الإدانة إلى الفعل، واتخاذ خطوات ملموسة تحول دون استمرار هدم المنازل وتهجير السكان، وتحمي الوجود الفلسطيني في القدس، في ظل ما وصفه بتصاعد الضغوط السكنية والاقتصادية والقانونية على المقدسيين.

ملاحظة تحريرية: تستند الأرقام الواردة في هذا الخبر إلى تصريحات زياد الحموري خلال المقابلة، ولم تُتحقق منها بصورة مستقلة. ويُستحسن مطابقتها مع مصادر رسمية أو تقارير حقوقية حديثة قبل النشر، خصوصاً أرقام أوامر الهدم والمنشآت المهددة ومعدلات الفقر والتقديرات المتعلقة بعدد السكان الذين قد يتأثرون بها.