خاص | القرى غير المعترف بها في النقب.. صراع على الأرض والسكن والوجود
تواجه القرى الفلسطينية غير المعترف بها في النقب، داخل أراضي عام 1948، مخاطر متزايدة بفعل عمليات هدم المنازل والتهديد بالإخلاء، في ظل استمرار القيود على البناء والتخطيط وتوفير الخدمات الأساسية، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه السياسات إلى تهجير السكان من أراضيهم وتغيير واقع التجمعات الفلسطينية في المنطقة.
وتبرز قرية الضحية، التي تقطنها عائلة أبو وادي، نموذجاً لمعاناة هذه التجمعات، بعدما تعرضت للهدم، وفق ما أفاد به رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، عطية الأعسم، الذي أكد أن الأهالي يتمسكون بأرضهم رغم ما يتعرضون له من ضغوط وملاحقات.
وقال الأعسم، خلال حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، إن عائلة أبو وادي تقيم في القرية منذ ما قبل النكبة وإقامة إسرائيل، مشيراً إلى أن السكان يواجهون محاولات لإخراجهم من أراضيهم، بالتزامن مع توجهات لزراعة المنطقة بالأشجار، في خطوة يرى أنها تأتي ضمن مساعٍ لتغيير واقع الأرض وإبعاد أصحابها عنها.
وأضاف أن قرية الضحية ليست الأولى التي تتعرض للهدم، ولن تكون الأخيرة، مستشهداً بقرى وتجمعات أخرى، بينها أم الحيران والعراقيب، قال إنها تعرضت للتدمير، فيما يواصل سكانها التمسك بأرضهم والعيش في ظروف قاسية، بعضها في خيام أقيمت على أنقاض منازلهم.
وأوضح أن الأهالي يواجهون ملاحقات متواصلة وتهديدات بالترحيل إلى مناطق أخرى، معتبراً أن هذه الإجراءات تندرج في إطار سياسة تستهدف التجمعات البدوية غير المعترف بها، وتسعى إلى حصر السكان في مساحات جغرافية محدودة، بما يتيح السيطرة على الأراضي وإقامة مشاريع استيطانية عليها.
تضييق على البناء والتخطيط لدفع السكان إلى الرحيل
وأكد الأعصم أن استهداف القرى غير المعترف بها يرتبط، بحسب تقديره، بالسعي إلى السيطرة على الأراضي العربية وتضييق الخناق على سكانها، من خلال منع التخطيط والبناء والتوسع العمراني وتطوير البنية التحتية.
وقال إن حرمان هذه القرى من فرص التطور وتلبية احتياجاتها الأساسية يفاقم الظروف المعيشية للسكان، ويدفعهم إلى مواجهة خيارات صعبة بين البقاء في ظروف قاسية أو البحث عن حياة أفضل في أماكن أخرى.
وأضاف أن استمرار القيود على البناء والخدمات لا يقتصر تأثيره على المنازل القائمة، بل يهدد أيضاً قدرة التجمعات على النمو الطبيعي وتوفير متطلبات الحياة للأجيال الجديدة.
وشدد على أن السكان يواصلون التمسك بأرضهم، رغم عمليات الهدم المتكررة، مؤكداً أن الأهالي لن يتخلوا عن قراهم، وأن الوجود الفلسطيني في النقب سيستمر رغم محاولات التضييق والتدمير.
وقال الأعصم إن السكان يعتبرون هذه الأراضي موطنهم الذي لا بديل عنه، وإن ما يتعرضون له لن يغير إرادتهم في البقاء، مشيراً إلى استمرار النمو السكاني في هذه التجمعات وتمسك الأهالي بحقهم في العيش على أرضهم.
هدم متكرر وظروف معيشية تفتقر إلى الخدمات الأساسية
وفي ما يتعلق بالظروف اليومية التي يعيشها السكان، أوضح الأعصم أن عمليات الهدم أصبحت متكررة في عدد من القرى، وأن الجرافات الإسرائيلية تصل بصورة متواصلة إلى التجمعات السكنية لهدم المنازل والمنشآت.
وقال إن الأهالي اعتادوا مشهد الجرافات وعمليات الهدم، لكن ذلك لا يعني تراجع تمسكهم بأرضهم أو استسلامهم للضغوط، مؤكداً أن خيارهم هو مواصلة الصمود رغم صعوبة الظروف.
وأشار إلى أن الحياة في القرى غير المعترف بها تتسم بنقص حاد في الخدمات الأساسية، إذ تفتقر تجمعات إلى شبكات المياه والكهرباء والطرق المعبدة والبنية التحتية اللازمة للحياة اليومية.
وأضاف أن بعض السكان يضطرون إلى نقل المياه إلى قراهم بوسائلهم الخاصة، في ظل غياب شبكات الإمداد المنتظمة، فيما يعمل الأهالي على تعبيد الطرق بأنفسهم لتسهيل التنقل والوصول إلى المناطق المحيطة.
ولفت إلى أن هذه الجهود تواجه بدورها مخاطر الهدم والتجريف، إذ قال إن الجرافات الإسرائيلية تعود أحياناً لتجريف الطرق التي ينشئها السكان بجهودهم الذاتية، ما يزيد من صعوبة الحركة ويعمق عزل التجمعات عن محيطها.
وأكد أن غياب الخدمات الأساسية يحرم السكان من مقومات الحياة الطبيعية، ويضاعف الأعباء على العائلات، خصوصاً الأطفال وكبار السن، في ظل استمرار التهديدات التي تطال المنازل ومصادر الاستقرار.
انتقادات للمحاكم الإسرائيلية وخيارات قانونية محدودة
وحول الخيارات القانونية المتاحة أمام السكان لمواجهة قرارات الهدم والإخلاء، أعرب الأعصم عن تشكيكه في قدرة المحاكم الإسرائيلية على توفير الحماية اللازمة للقرى غير المعترف بها.
وقال إن السكان لا يثقون بقدرة هذه المحاكم على منع هدم المنازل أو وقف ترحيل التجمعات من أماكنها، معتبراً أنها لا توفر، من وجهة نظره، إنصافاً فعلياً للأهالي في مواجهة السياسات التي تستهدفهم.
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية تستند إلى القرارات القضائية لتبرير عمليات الهدم والإخلاء باعتبارها إجراءات قانونية، في حين يرى السكان أن هذه الإجراءات تؤدي إلى انتهاك حقوقهم في السكن والبقاء على أراضيهم.
وشدد على أن المسارات القانونية لم تحقق، بحسب تقييمه، الحماية المطلوبة للسكان، في ظل استمرار عمليات الهدم وتقييد البناء ومنع تطوير القرى، الأمر الذي يجعل العائلات أمام مخاطر متكررة تهدد استقرارها ومستقبلها.
المجتمع الدولي أمام انتقادات بسبب غياب التحرك
وفي ما يتعلق بدور المؤسسات الدولية والحقوقية، أعرب الأعصم عن أسفه لما وصفه بغياب تحرك دولي فاعل لوقف عمليات الهدم والتهجير في النقب، رغم وصول القضية إلى وسائل الإعلام الدولية وتناولها من جانب جهات حقوقية ومدنية.
وقال إن النفوذ الأميركي داخل المؤسسات الدولية يحد، بحسب رأيه، من قدرتها على اتخاذ خطوات مؤثرة، مشيراً إلى أن محاولات التواصل مع الأمم المتحدة لم تؤد إلى تدخل يوقف الإجراءات التي يتعرض لها السكان.
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية ترفض، وفق ما ذكر، التدخل الدولي في القضية، مستندة إلى اعتبار السكان مواطنين إسرائيليين وأن ما يجري شأن داخلي، وهو ما يراه الأعصم ذريعة لتجنب الرقابة الخارجية.
وانتقد ما وصفه بتراجع دور المؤسسات الدولية والدول التي تعلن التزامها بحماية حقوق الإنسان، معتبراً أن نشر التقارير والتغطيات الصحفية لم يتحول حتى الآن إلى إجراءات عملية كافية لحماية التجمعات المهددة بالهدم.
ودعا إلى تحرك دولي أكثر فاعلية يضمن حماية السكان ووقف عمليات هدم المنازل وملاحقة الأهالي، ويمنع فرض واقع جديد على الأرض قبل أن تتفاقم آثار هذه السياسات على الوجود الفلسطيني في النقب.
انتقادات لسياسات الحكومة والميزانيات المخصصة للمجتمع العربي
وتطرق الأعصم إلى دور أعضاء الكنيست العرب في مواجهة ما يجري في القرى غير المعترف بها، معتبراً أن قدرتهم على التأثير في قرارات الحكومة الحالية محدودة، في ظل ما وصفه بتوجهات متشددة تجاه المجتمع العربي.
كما انتقد ما قال إنه سحب أو تحويل ميزانيات مخصصة للمجتمع العربي إلى قطاعات أمنية وعسكرية، معتبراً أن ذلك يعكس، من وجهة نظره، تمييزاً في توزيع الموارد العامة بين المواطنين.
وأشار إلى أن المواطنين العرب يدفعون الضرائب، مثل غيرهم، لكنهم لا يحصلون، بحسب حديثه، على الخدمات والميزانيات التي تتيح تطوير بلداتهم وقراهم وتلبية احتياجات السكان الأساسية.
وأكد أن حرمان القرى غير المعترف بها من البنية التحتية والخدمات، بالتزامن مع استمرار هدم المنازل ومنع التخطيط، يزيد من صعوبة الحياة اليومية ويعمق شعور السكان بأنهم يواجهون سياسة ممنهجة للتضييق عليهم.
واختتم الأعصم حديثه بالتأكيد على أن سكان النقب متمسكون بأرضهم، وأن عمليات الهدم والتجريف والضغوط المعيشية لن تدفعهم إلى التخلي عنها، داعياً إلى وقف هدم المنازل وضمان حق الأهالي في السكن والتخطيط وتوفير الخدمات الأساسية، والعمل على حماية التجمعات الفلسطينية من التهجير والاقتلاع.
ملاحظة تحريرية: يستند هذا الخبر إلى تصريحات عطية الأعسم، رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، خلال المقابلة. وينبغي التحقق من التهجئة الرسمية لاسم قرية الضحية، ومن أسماء القرى الأخرى والأرقام والتفاصيل المتعلقة بعمليات الهدم والميزانيات، قبل النشر النهائي.