نبض الحياة.. قرارات الخضر تحول تاريخي
شهدت القضية الفلسطينية وحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير واستقلاله في دولته وعودته لأرضه تحولا نوعيا في الساحة الأوروبية والغربية عموما، ولم تعد المواقف السياسية للأحزاب والدول تنحصر في ادانة الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني فقط، انما ولجت بعض الأحزاب والقوى الأوروبية لطرح جذورها السياسية والقانونية، واتخذت مواقف متقدمة وتاريخية، كما حزب الخضر البريطاني الذي أعاد الاعتبار للقرار الاممي التاريخي الذي أعتبر "الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية" رقم 3379، الصادر في 10 تشرين ثاني / نوفمبر 1975، والذي تم التراجع عنه امميا في 16 كانون اول / ديسمبر 1991، نتيجة ضغط الولايات المتحدة وبعد مطالبة حكومة إسحاق شامير بإلغائه لاستمرار المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، الذي عقد في نهاية تشرين اول / أكتوبر 1991.
وجاء قرار حزب الخضر البريطاني في مؤتمره السنوي في مدينة برايتون، الذي الصادر يوم الاحد 4 أكتوبر الحالي، وتبنيه سياسة رسمية جديدة، تعتبر الصهيونية شكلا من العنصرية. وعكس هذا التطور، تحولا هاما في المواقف الحزبية تجاه القضية الفلسطينية، وحظي القرار بتأييد 1022 عضوا مقابل 813 عضوا، كما تبنى مقترحا غاية في الأهمية الاستراتيجية إقامة "دولة فلسطينية واحدة تضمن حقوقا متساوية للجميع"، بديلا لحل الدولتين. الذي تقدمت به مجموعة "الخضر من أجل فلسطين". واعتبر مراقبون سياسيون أن هذا القرار يمثل تحولا تاريخيا واستراتيجيا؛ إذ ينقل الموقف المناهض للصهيونية من أروقة المجموعات اليسارية النشطة الى صلب السياسة الرسمية لواحد من أبرز الأحزاب الأوروبية، وتوقعوا أن يفتح ذلك الباب أمام تحولات مشابهة في الساحتين الأوروبية والأميركية.
لكن التصويت في الوقت ذاته أظهر حجم الانقسام داخل الحزب؛ إذ أعلن 4 من النواب ال 5 في مجلس العموم البريطاني معارضتهم للقرار، أما زاك بولانسكي رئيس الحزب، الذي كان يخوض حملة انتخابية في دائرة هولبورن وسانت بانكراس، فلم يشارك في التصويت، لكنه تعرض لاحقا لضغوط كبيرة بشأن موقفه الداعم للقرار. وفي محاولة لاحتواء الازمة، أكد بولا نسكي أن الحزب يجب أن يحمي حقوق الفلسطينيين وحقوق اليهود في بريطانيا على حد سواء، مشددا على أن معاداة السامية وانتقاد الدولة الإسرائيلية مساران منفصلان، وأن الخلط بينهما يضر باليهود أنفسهم. وقال إن حركته السياسية لن تقبل إقصاء أي شخص بسبب خلفيته الدينية أو انتمائه المجتمعي، مؤكدا رغبته في أن يشعر الجميع بالأمان والترحيب داخل الحزب. وكان رئيس الحزب اليهودي قد صرح أمام المؤتمر يوم السبت 3 أكتوبر مع بدء اعمال المؤتمر قائلا: "نقف اليوم بصوت واحد لنقول: أسقِطوا التهم، وأوقفوا الإبادة الجماعية، وارفعوا الحظر عن منظمة "فلسطين أكشن".
وفي بيان مشترك، شدد بولانسكي مع النواب الخمسة للحزب على التزامهم بحقوق الانسان، ومعارضتهم "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري والاحتلال غير القانوني"، مؤكدين استمرارهم في انتقاد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، ودعم الحقوق الفلسطينية. ولم يقتصر الجدل والخلاف على مضمون القرار نفسه، إذ رفض أعضاء الحزب إدخال تعديل كان من شأنه توضيح أن القرار لا يمكن استخدامه للضغط على أعضاء الحزب أو معاقبتهم بسبب انتمائهم الى معابد أو منظمات يهودية تصف نفسها بأنها صهيونية. ولم يكن الرفض عبثيا، انما مبدئيا، لأن الصهيونية لا تتجزأ كحركة رجعية عنصرية، مما اثار مخاوف العديد من الشخصيات اليهودية داخل الحزب، وفي مقدمتهم فيفيان ليشتنشتاين، رئيسة "الخضر اليهود"، التي قالت انها تفكر في مغادرة الحزب، معتبرة أن القرار قد يؤدي الى تعميق الانقسام وإطلاق اتهامات بالعنصرية ضد منظمات يهودية تعمل أيضا مع فلسطينيين وتعارض الاحتلال. كما أعلن ساندي روثفن، رئيس منظمة العفو الدولية في بريطانيا، مغادرة حزب الخضر على خلفية القرار، معتبرا أن الحزب لم يعد يتعامل بصورة كافية مع مخاوف تتعلق بالتحيز والتمييز داخل الحزب.
ولاقى القرار تنديدا إسرائيليا واسعا من أعلى المستويات؛ فقد شن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ هجوما لاذعا على الحزب، واصفا إياه بأنه "وصمة عار ومصدر خزي." كما أصدرت الخارجية الإسرائيلية بيانات على منصة "إكس" ادانت فيها حزب الخضر البريطاني بعد إقرار مقترح اعتبار أن "الصهيونية عنصرية". وادعت الخارجية أن المقترح "معاد للسامية" و"يضفي شرعية على الإرهاب"، مستشهدة بوصفه للصهيونية بأنها أيديولوجية عنصرية، ودعمه لدولة فلسطينية واحدة، واعترافه بحق المقاومة بموجب القانون الدولي. وأصدر وزير الخارجية جدعون ساعر قرارا بمنع رئيس حزب الخضر البريطاني من دخول إسرائيل.
وفي المقابل، دافع مؤيدو القرار بقوة عن هذه الخطوة، مشددين على الفصل التام بين "الصهيونية" التي هي أيديولوجية سياسية، وبين "اليهودية" التي هي دين وهوية، مؤكدين أن نقد الأولى لا يعادل معاداة السامية. واستند المؤيدون الى ان بناء دولة تعتمد على التفوق الديمغرافي والسياسي لعرق واحد ينتج عنه بالضرورة تهميش وتهجير للأخرين، وهو ما يندرج تحت تعريف العنصرية.
ورغم ردود الفعل المتباينة، وخاصة ردود الفعل المتحفظة والرافضة للقرار من قبل العديد من أحزاب الخضر الأوروبية والأميركية، فإن النقلة النوعية في سياسات حزب الخضر البريطاني تعتبر تحول تاريخي استراتيجي في السياسة البريطانية، سيكون لها ما بعدها في داخل بريطانيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد أن التحول النوعي في الغرب، خرج عن كونه ردود فعل آنية، انما رسم سياسات استراتيجية، ولم تعد دولة الابادة الإسرائيلية اللقيطة "ايقونة"، ولم يعد الدفاع عنها مقبولا في الشارع الأوروبي والغربي عموما، وبالتالي ردود الفعل ناتجة عن تأثيرات السياسة القديمة، ونتاج بقايا تأثيرات اللوبيات الصهيونية والسياسة الأميركية الرسمية، الآخذة في التراجع والانكفاء التدريجي. والمستقبل المنظور سيفتح أفق التحولات الدراماتيكية مع تصاعد النازية الإسرائيلية الصهيونية.