كيف يعاد تشكيل النظام العالمي بالطاقة والغذاء والسلاح؟

2026-10-18 19:45:16

لم تعد السيطرة على العالم تعني احتلال الأرض وحدها أو إخضاع الدول بالقوة العسكرية، بل أصبحت تمتد إلى التحكم في الموارد التي تضمن استمرار الحياة نفسها، الطاقة والمياه والغذاء والبذور والأسمدة وسلاسل الإمداد، فمن يملك مفاتيح هذه الموارد يمتلك قدرة هائلة على التأثير في قرارات الدول، وإضعاف مجتمعاتها، وتضييق هوامش حركتها، بل ودفع سكانها إلى خيارات لم يكونوا ليقبلوا بها في الظروف الطبيعية.

ولم تعد الحروب وحدها أداة إخضاع الشعوب؛ فالعقوبات، والتحكم في الأسواق، وتعطيل الإمدادات، واحتكار التقنيات، باتت أدوات قادرة على إحداث آثار قد تتجاوز حدود الدمار العسكري المباشر، وحين تتداخل هذه الأدوات مع الحروب والتجويع والنزوح، يبرز سؤال يتجاوز الصراع على الموارد ذاتها، هل يُعاد تشكيل العالم بالطاقة والغذاء والسلاح فحسب، أم أن هذه الأدوات تسهم أيضًا في إعادة تشكيل المجتمعات ومصائر السكان الذين يعيشون فوق الأرض؟.

تحتل البذور موقعًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة، فالبذرة ليست مجرد مادة زراعية، بل هي أساس الأمن الغذائي واستقلال القرار الزراعي، وكلما ازداد اعتماد المزارعين على الشركات التي توفر البذور والأسمدة والمبيدات، تقلصت قدرتهم على التحكم في مدخلات إنتاجهم، وازدادت تبعيتهم لمنظومة تجارية وتقنية لا يملكون مفاتيحها، ولا يعني ذلك أن جميع التقنيات الزراعية تؤدي إلى النتيجة نفسها؛ فالبذور الهجينة، مثلًا، ليست هي تقنيات تقييد الاستخدام الوراثي، لكن منظومة الاحتكار والاعتماد المتبادل قد تجعل المزارع أسيرًا لشراء مدخلات الإنتاج عامًا بعد عام.

ومن هنا تكتسب النقاشات المتعلقة بحفظ البذور المحلية وتداولها، ومنها ما شهدته لبنان، أهمية تتجاوز الجانب الزراعي المباشر، فحماية الأصناف المحلية والمعارف الزراعية المتوارثة ليست حنينًا إلى الماضي، بل دفاع عن القدرة على إنتاج الغذاء في ظروف الأزمات، وعن حق المجتمعات في الاحتفاظ بمواردها الوراثية وعدم تحويلها إلى سوق مغلقة تتحكم فيها الشركات الكبرى.

وتكشف التجارب السابقة حجم المخاطر التي يفرضها تدمير البنية العلمية والزراعية أو إضعافها، فقد تعرضت مؤسسات البحث الزراعي ومجموعات البذور في العراق بعد غزو عام 2003 للتدمير والنهب، كما عانت المؤسسات الزراعية والبحثية في سوريا، ومنها إيكاردا، من تداعيات الحرب والنزوح وتعطل العمل فقد تم تدمير بنك البذور ونهب محتوياته، وفي المقابل، يجسد مخزن سفالبارد العالمي للبذور محاولة لحفظ التنوع الوراثي الزراعي تحسبًا للكوارث والحروب ووسيلة للهيمنة، غير أن تخزين البذور وحده لا يكفي إذا دُمّرت الأراضي، وفُقدت المياه، وتعطلت شبكات الري، وهُجّر المزارعون؛ فالبذور لا تطعم الناس ما لم تتوافر الظروف التي تسمح بزراعتها وحصادها.

وتتصل هذه المسألة بالطاقة اتصالًا مباشرًا، فالزراعة الحديثة تعتمد على الوقود والكهرباء والأسمدة والنقل والتخزين، كما تعتمد إمدادات الغذاء على الممرات البحرية وسلاسل التوريد، ولذلك لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه ممرًا لنقل النفط والغاز فحسب؛ فأي اضطراب فيه يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وينعكس على أسعار الغذاء والأسمدة في دول بعيدة جغرافيًا عن الخليج، وهكذا يتحول التحكم في ممر بحري استراتيجي إلى أداة تأثير تتجاوز حدود المنطقة التي يقع فيها.

وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية مدى ارتباط الأمن الغذائي بالصراعات الجيوسياسية، فروسيا وأوكرانيا من المصادر المهمة للحبوب والأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، وأدى اضطراب الصادرات والنقل والأسواق إلى زيادة الضغوط على الدول المستوردة، ولم تكن النتائج متساوية؛ إذ امتلكت الدول الأكثر ثراءً قدرة أكبر على تحمل ارتفاع الأسعار وتأمين الإمدادات، بينما واجهت الدول الأشد اعتمادًا على الاستيراد مخاطر أكبر على أمنها الغذائي واستقرارها الاجتماعي.

وتبرز مصر مثالًا على هشاشة الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح لتلبية احتياجات سكانها، فكل اضطراب في الأسواق العالمية أو أسعار الشحن أو توافر العملات الأجنبية يمكن أن يتحول إلى ضغط مباشر على الموازنة العامة وأسعار الغذاء وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها، ولا يتعلق الأمر بمصر وحدها؛ فالدول التي تفتقر إلى احتياطيات كافية، أو إلى مصادر متنوعة للاستيراد، تجد نفسها أكثر عرضة للضغوط الخارجية، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا في الحرب.

وتكشف أمريكا اللاتينية مفارقة أخرى، فوفرة الأراضي الزراعية والمياه والمعادن ومصادر الطاقة لا تضمن بالضرورة الأمن الغذائي للسكان أو تحقيق السيادة الاقتصادية، إذ يمكن لتركيز ملكية الأراضي، وهيمنة المصالح التصديرية، وتوسع زراعة المحاصيل المخصصة للوقود الحيوي أو الأسواق الخارجية، أن تتعايش مع الفقر وانعدام الأمن الغذائي لدى قطاعات من السكان، فالمشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد، بل فيمن يحتكرها، ومن يقرر كيفية استخدامها، ولمن تذهب عوائدها، وقد تكون الأرض غنية بما يكفي لإطعام الملايين، بينما يُحرم بعض سكانها من القدرة على الوصول إلى الغذاء.

وعندما ننتقل إلى الحروب الجارية، تتضح الصلة بين الموارد وتدمير شروط الحياة بصورة أكثر قسوة، ففي غزة، لم يقتصر أثر العدوان الإسرائيلي على القتل والتدمير، بل امتد إلى المنازل والمستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي والأراضي الزراعية والمخابز ومصادر الغذاء، وإلى دفع السكان نحو النزوح والاعتماد على المساعدات، وحين تُدمَّر مقومات الحياة على نطاق واسع، لا تكون النتيجة خسائر آنية فحسب؛ بل تتضرر قدرة المجتمع على البقاء والإنتاج وإعادة بناء حياته، ويصبح الرحيل تحت ضغط الظروف احتمالًا يفرض نفسه على السكان.

وفي لبنان، تتداخل آثار الحرب والنزوح وتضرر الممتلكات والأراضي الزراعية مع الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها البلد أصلًا، أما المواجهة المرتبطة بإيران، فلا يمكن فصلها عن أمن الطاقة ومضيق هرمز، كما لا يمكن تجاهل موقع اليمن عند مضيق باب المندب وتأثير اضطراب الملاحة في البحر الأحمر على التجارة العالمية، فهذه الساحات، على اختلاف ظروفها وأطرافها، تقع ضمن شبكة مترابطة من المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية؛ وأي اضطراب فيها يمكن أن ينتقل أثره عبر الطاقة والغذاء والنقل والأسعار إلى مناطق أخرى من العالم.

إن ترابط هذه الأزمات وتزامن آثارها يطرحان تساؤلات جوهرية حول القوى والمصالح التي تقف وراء إعادة تشكيل العالم، وحول مدى ارتباط الحروب والسيطرة على الموارد بفكرة تقليص السكان والتحكم في توزيعهم الجغرافي، فالحرب التي تدمر الأرض الزراعية، وتقطع المياه والكهرباء، وتعطل وصول الغذاء والدواء، وتدفع السكان إلى النزوح، لا تغيّر المشهد العسكري وحده؛ بل تضرب شروط البقاء، وتضعف قدرة المجتمعات على الصمود، وتدفع سكانها إلى مغادرة أراضيهم، وحين تتكرر هذه النتائج وتتقاطع مع مصالح القوى المهيمنة، يصبح من الضروري فحص ما إذا كانت السيطرة على الطاقة والغذاء والسلاح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجتمعات، والتحكم في أعداد السكان ومصائرهم.

من هنا تبرز الفرضية الأشد خطورة، هل ينتقل الصراع تدريجيًا من السيطرة على موارد الشعوب إلى التأثير في أعداد السكان ومصائرهم وأماكن وجودهم؟ إن التجويع والتدمير والتهجير، متى استُخدمت عمدًا لتحقيق أهداف سياسية أو ديموغرافية، لا تكون مجرد نتائج جانبية للحرب، بل تتحول إلى أدوات تضغط على السكان وتدفعهم إلى مغادرة أراضيهم، وتعيد توزيع البشر وفقًا لموازين القوة والمصالح، وقد تتلاقى هذه النتائج مع مصالح اقتصادية واستراتيجية حتى من دون أن تكون جميع الأحداث أجزاءً من خطة واحدة معلنة.

إن أخطر ما ينبغي أن نضعه أمام أعيننا هو انتقال الصراع من السيطرة على موارد الشعوب إلى التحكم في مصائرها الديموغرافية. فعندما تجتمع السيطرة على الطاقة والغذاء والبذور مع تدمير مقومات الحياة واتساع الحروب والنزوح، وتتداخل معها السيطرة على الدواء والصحة، يتجاوز السؤال حدود الملكية والربح والنفوذ: من يملك القدرة على إبقاء مجتمع قادرًا على الحياة فوق أرضه، ومن يدفعه إلى الرحيل؟ ومن يقرر من يستفيد من الموارد، ومن يُحرم منها، ومن تُنتزع منه شروط البقاء؟ ولا تقف أدوات السيطرة عند الغذاء والماء والطاقة والسلاح، بل تمتد إلى الصحة والمرض، عبر استغلال الأزمات الصحية، واحتكار العلاجات، وحجب الاكتشافات الطبية أو تعطيل تطويرها، بما يثير تساؤلات حول المصالح التي تتحكم في الطب، وحول إخضاع حياة البشر لحسابات الربح والنفوذ بدلًا من اعتبارها حقًا إنسانيًا.

وتبرز هنا ضرورة فحص المؤشرات والشواهد المتعلقة بافتعال الأمراض أو استغلالها، وحجب العلاجات القادرة على إنقاذ المصابين بالأمراض المزمنة، ضمن سياق أوسع للسيطرة على شروط الحياة. فحين تمتد الهيمنة من الأرض ومواردها إلى الغذاء والدواء، ومن شروط الحياة إلى فرص النجاة من المرض، يصبح الصراع متعلقًا بمن يحدد مصائر البشر، ومن يُترك فريسة للجوع والمرض والحرمان. عندئذ لا نكون أمام صراع على الثروة فحسب، بل أمام صراع على الوجود الإنساني ذاته، وعلى حق الشعوب في الحياة والبقاء وتقرير مصيرها.