الأَرْجَنْتِينُ: مِنْ خِيَارٍ فِي بَدَايَاتِ الْمَشْرُوعِ الصِّهْيُونِيِّ إِلَى مَلَاذٍ إِذَا انْهَارَ الْكِيَانُ؟
ماذا لو واجهت إسرائيل يومًا أزمة وجودية أو تفككًا هيكليًا يجعل استمرارها بصورتها الحالية متعذرًا؟ إلى أين ستتجه الأموال والثروات والشبكات والمؤسسات المرتبطة بالمشروع الصهيوني؟ وهل يمكن أن تصبح الأرجنتين، وخصوصًا إقليم باتاغونيا الشاسع في جنوب البلاد، قاعدة لإعادة تموضعها إذا تبدلت الظروف بصورة جذرية؟
السؤال لا يتعلق بهجرة أفراد يبحثون عن الأمان فحسب، بل بمصير مشروع سياسي تشكّل حول إقامة دولة في فلسطين، وبما قد تفعله مكوناته للحفاظ على مصالحها إذا تعذر استمرار الدولة بصورتها الراهنة. فالدولة والمشروع السياسي ليسا شيئًا واحدًا؛ إذ قد تتعرض الدولة للانهيار بينما تبقى الثروات والمؤسسات والشبكات والعلاقات العابرة للحدود، وتبحث عن مواقع جديدة تحمي فيها مصالحها وتعيد تنظيم نفوذها. ومن هذا المنظور، لا يكون الملاذ بالضرورة تخليًا عن المشروع، بل قد يصبح وسيلة للحفاظ على بعض مقوماته وإعادة توظيفها خارج مركز الأزمة.
ولفهم هذه الفرضية، لا بد من العودة إلى التاريخ. ففي أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الأرجنتين مجرد وجهة لهجرة يهودية متفرقة، بل أصبحت مجالًا لمحاولات منظمة لتوطين اليهود في مستعمرات زراعية. ففي عام 1891، أسس البارون موريس دي هيرش الجمعية اليهودية للاستعمار، المعروفة اختصارًا باسم (JCA)، ومَوَّل مشروعات لتوطين مهاجرين يهود في الأرجنتين وإقامة مستعمرات زراعية تتيح لهم الاستقرار والعمل.
لم يكن مشروع دي هيرش مطابقًا للحركة الصهيونية السياسية التي تبلورت حول إقامة دولة في فلسطين، لكن أهميته تكمن في أنه يوضح أن توطين اليهود خارج فلسطين كان خيارًا مطروحًا عمليًا، وأن رأس المال وتنظيم الهجرة وشراء الأراضي أمكن أن تتكامل لبناء تجمعات مستقرة. وهذه الدلالة التاريخية تستحق التوقف عندها؛ فقد دخلت الأرجنتين مبكرًا في سجل المشروعات المنظمة للتوطين اليهودي، وأثبتت التجربة أن الانتقال من فكرة الاستقرار إلى بناء تجمعات دائمة يمكن أن يقوم على تضافر المال والأرض والمؤسسات والهجرة. وهي خلفية تمنح السؤال عن باتاغونيا بعدًا تاريخيًا، وتساعد على فهم كيف يمكن أن تتداخل عوامل الاستيطان والملكية والتمويل في مشروعات تتجاوز الهجرة الفردية.
وفي هذا السياق، يبرز الامتلاك العقاري الواسع لعائلة بينيتون في باتاغونيا. ففي عام 1991، استحوذت مجموعة مرتبطة بالعائلة على شركة أراضي جنوب الأرجنتين (Compañía de Tierras Sud Argentino)، التي تعود جذورها إلى شركة بريطانية تأسست عام 1889. وترتبط الشركة بمساحات شاسعة من الأراضي في الأرجنتين، تُقدّر بنحو 900 ألف هكتار وفق الأرقام المتداولة. وقد أثار هذا الامتلاك نزاعات تتصل بحقوق السكان الأصليين، ولا سيما مجتمعات المابوتشي، وبملكية الأرض والسيادة والحقوق التاريخية.
وتتجاوز أهمية هذه الأراضي قيمتها الزراعية والتجارية؛ فباتاغونيا غنية بالموارد الطبيعية، وتضم ثروات مائية ومقومات للطاقة تمنحها أهمية اقتصادية واستراتيجية متزايدة. وفي عالم تتشابك فيه الثروة بالنفوذ، لا يمكن فصل تركز مساحات شاسعة من الأرض في أيدي مالكين كبار عن الإمكانات التي تتيحها هذه الملكية على المدى البعيد. فالأرض هنا ليست مجرد أصل عقاري يدرّ الأرباح، بل قاعدة للسيطرة على الموارد، وامتلاك مقومات الإنتاج والطاقة، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، وفتح خيارات استراتيجية قد تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة. وكلما اجتمعت المساحة الشاسعة والثروة الطبيعية والقدرة المالية والاتصال بالأسواق العالمية، ازدادت القيمة الاستراتيجية لهذه الملكية واتسعت إمكانات توظيفها إذا تبدلت الظروف السياسية والإقليمية. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بمن يملك الأرض فحسب، بل بما تتيحه هذه الملكية من خيارات ونفوذ، وما إذا كانت باتاغونيا تحتفظ بمكانة محتملة في حسابات استراتيجية أبعد مدى، إلى جانب قيمتها الاستثمارية المباشرة.
وتزداد أهمية باتاغونيا بالنظر إلى اهتمام أصحاب الثروات الهائلة بها. فقد ارتبط اسم رجل الأعمال البريطاني جو لويس بامتلاك أراضٍ في منطقة بحيرة إسكنديدو بإقليم ريو نيغرو، وأثار هذا الامتلاك نزاعات حول الوصول إلى البحيرة والحق في استخدام المجال الطبيعي. كما أحاطت بعض المنشآت المملوكة للأثرياء في المناطق النائية رواياتٌ عن ملاجئ محصنة ومنشآت سرية. غير أن الدلالة الأوسع تتصل بجاذبية الإقليم لأصحاب الثروات الباحثين عن المساحات الواسعة والموارد الطبيعية والعزلة النسبية. وهذه الخصائص تجعل باتاغونيا جديرة بالبحث عند دراسة الأماكن التي قد يلجأ إليها بعض الأثرياء لحماية مصالحهم أو نقل استثماراتهم إذا تعرضت مراكزهم الأصلية لاضطرابات حادة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم «خطة أندينيا»، وهي رواية شائعة ارتبطت بالادعاء بوجود مخطط لإقامة كيان يهودي في جنوب الأرجنتين وتشيلي. وقد تداولتها أوساط قومية في البلدين منذ ستينيات القرن العشرين، ثم اتسع انتشارها في العقود اللاحقة، واستُخدمت أيضًا في خطاب معادٍ لليهود يصورهم باعتبارهم أصحاب مؤامرة للاستيلاء على أراضي الآخرين. وقد اكتسبت الرواية حضورًا في النقاشات المتعلقة بملكية الأراضي الأجنبية وبمستقبل باتاغونيا، لكنها ليست المدخل الوحيد لفهم الأهمية الاستراتيجية للإقليم. فبعيدًا عن الجدل المحيط بها، تظل المساحة والموارد والملكية العقارية وتداخل المصالح الاقتصادية عوامل تستحق الدراسة عند التفكير في احتمالات إعادة التموضع إذا شهدت المنطقة أو العالم تحولات كبرى.
فإذا واجهت إسرائيل انهيارًا وجوديًا أو تفككًا هيكليًا، فليس من الضروري أن يتخذ الانتقال شكل هجرة جماعية إلى مكان واحد. قد يسعى بعض الأفراد إلى الهجرة، فيما تنتقل ثروات واستثمارات إلى بلدان أخرى، وتعمل مؤسسات وشبكات على حماية مواردها وعلاقاتها خارج نطاق الأزمة. وقد تصبح مناطق بعيدة مثل باتاغونيا وجهة محتملة لبعض هذه المسارات، لا باعتبارها وطنًا بديلًا جاهزًا، بل مجالًا يوفر لبعض أصحاب المصالح مساحة للحركة والاستقرار وإعادة التنظيم.
وهنا يتجاوز السؤال حدود انتقال الأفراد والأموال إلى مصير المشروع نفسه. فانتقال الأشخاص لا يعني انتقال المشروع السياسي، كما أن انتقال الأموال لا يضمن استمرار النفوذ؛ لكن اجتماع الثروة والمؤسسات والعلاقات والقدرة على التنظيم قد يسمح لبعض مكوناته بالبقاء بعد انهيار الدولة التي ارتبط بها. وإذا حدث ذلك، فقد يتحول الملاذ إلى قاعدة لإعادة التموضع، بما يتيح الحفاظ على بعض الأدوات والشبكات وإعادة توظيفها في ظروف جديدة. وبذلك يصبح البحث في مستقبل المشروع أوسع من البحث عن مكان يمكن أن ينتقل إليه السكان؛ إذ يشمل مصير رأس المال والمؤسسات ومراكز القرار والعلاقات التي تمنح المشروع قدرة على الاستمرار.
لكن باتاغونيا ليست أرضًا خالية تنتظر من يختارها. فهي موطن لمجتمعات محلية وسكان أصليين، وفي مقدمتهم المابوتشي، ولها تاريخ من النزاعات على الأرض والملكية والحقوق والسيادة. وأي تصور لتحويلها إلى ملاذ واسع النطاق سيصطدم بالواقع الاجتماعي والقانوني والسياسي للأرجنتين وتشيلي، وبمصالح السكان وحقوقهم التاريخية، فضلًا عن القوانين المنظمة لملكية الأراضي الريفية والسجالات المتعلقة بقيود تملك الأجانب للأراضي والموارد في الأرجنتين.
فالمساحة الشاسعة لا تعني غياب أصحاب الحقوق، والقدرة المالية على شراء الأراضي لا تمنح شرعية سياسية لإقامة كيان جديد عليها. وإذا تجاوز الأمر حماية الأفراد والثروات إلى محاولة بناء واقع سياسي جديد، فستبرز أسئلة السيادة والحقوق والمقاومة المحلية، ولن يكون الأمر مجرد انتقال جغرافي هادئ. ومن ثم، فإن أي سيناريو لإعادة التموضع في باتاغونيا ينبغي أن يُقرأ في ضوء حقوق السكان المحليين، وقدرة الدولة على فرض قوانينها، والتوازنات السياسية التي تحكم المنطقة.
إن السؤال، إذن، ليس ما إذا كان بعض الإسرائيليين قد يهاجرون إلى الأرجنتين، ولا ما إذا كان أصحاب الثروات يستطيعون شراء العقارات في مناطق بعيدة؛ فكلا الأمرين معروف في إطار حركة الهجرة والاستثمار العالمية. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت الظروف قد تدفع بعض مكونات المشروع الصهيوني، إذا انهارت إسرائيل أو تعذر استمرارها بصورتها الراهنة، إلى حماية مصالحها خارج فلسطين، عبر توظيف المال والعلاقات والمؤسسات والملكية العقارية في مناطق توفر لها مجالًا للحركة وإعادة التموضع.
المشروع السياسي هو محور هذه الفرضية، والملاذ احتمال قد تفرضه الظروف. فإذا تعذر استمرار المشروع في صورته الراهنة، فقد يصبح البحث عن ملاذ جزءًا من محاولة الحفاظ على بعض مقوماته، لا إعلانًا عن التخلي عنه. ولا يعني ذلك أن الأرجنتين اختيرت بالفعل لهذه المهمة، أو أن خطة جاهزة تنتظر لحظة التنفيذ؛ بل يعني أن التاريخ والجغرافيا والملكية العقارية وحركة رؤوس الأموال تتيح طرح سؤال استراتيجي يتجاوز حدود الهجرة الفردية والاستثمار التجاري.
فإذا كانت فلسطين هي المركز الذي تبلور فيه المشروع الصهيوني في صورته السياسية المعروفة، فهل يمكن أن تتحول باتاغونيا، في ظروف استثنائية، إلى ملاذ لبعض مكوناته إذا انهارت إسرائيل؟ وإذا حدث ذلك، فما الذي سيسعى أصحابه إلى إنقاذه أولًا: السكان، أم رأس المال، أم المؤسسات والشبكات، أم القدرة على مواصلة المشروع السياسي من مواقع جديدة؟ ذلك هو السؤال الذي يتجاوز حدود الجغرافيا، ليصل إلى طبيعة المشروعات السياسية العابرة للحدود، وقدرتها على حماية مقوماتها وإعادة تنظيم نفسها عندما يتعرض مركزها لأزمة وجودية.