ظلّ أم عمر

2026-10-23 11:37:32

بعد تخرّجي في كلية الهندسة ، تعينت  في شركة مقاولات كبرى . وحين استلمت أول راتب لي ، قالت أمي:  " يا عمر، في نهاية كل شهر، ضع في حسابي في البنك مئتي دينار أردني ".  قلت لها مستغربا : " لماذا يا أمي ؟ ".  قالت بكل بساطة: " حقّ التربية ". ضحكت يومها ، لكنها لم تضحك .

ومنذ ذلك اليوم ، وفي نهاية كل شهر ، كنت أحوّل لها مئتي دينار، وأهاتفها لأطمئن عليها ، ثم أقول لها مازحا : " أودعت في حسابك اليوم حقّ التربية " .  فترد  في كل مرة بالعبارة نفسها: " الله يرضى عليك ويرزقك يا ولدي ". ولا تزيد كلمة واحدة .

حوّلت لها المبلغ وأنا أعزب ، وواصلت ذلك بعد أن تزوجت ، وحاصرتني الديون ، وواصلته حين رزقت بابنتي البكر أمينة. وجاء شهر لم يتبقَّ فيه، بعد كل الأعباء الحياتية، سوى ثلاثمئة دينار في حسابي ، لا غير . 

كانت زوجتي تقول لي: " أمك تتلقى راتب تقاعد والدك ، رحمه الله، بشقّيه الأردني والفلسطيني ، ويكفيها لسد  حاجتها وزيادة ، وتقيم في بيتها معززة مكرمة . ماذا تفعل بالمئتي دينار اللتين تودعهما لها من راتبك؟ ". ثم تضيف مازحة: " حماتي ، أمك حاطة عليك ضريبة شهرية يا عمر؟ ". فأجيبها دائمًا: " أمي طلباتها أوامر" . 

ومضت السنوات. خمسة عشر عاما ، لم يتأخر فيها ذلك المبلغ يومًا واحدًا. وقبل شهرين، استغنت الشركة عني بسبب الأوضاع المالية الصعبة التي شهدتها البلاد بعد أحداث عام 2023 في فلسطين. لم أخبر أحدًا بذلك، حتى زوجتي .

في كل صباح ، كنت أرتدي بدلتي ، وأحمل حقيبتي ، وأخرج من البيت في السابعة والنصف ، أبحث عن مقهى أو مطعم شعبي أجلس فيه بعض الوقت ، وأمشي في الأسواق ، ثم أعود إلى سيارتي وأبقى فيها حتى موعد انتهاء الدوام، وبعدها أعود إلى البيت كأنني عائد من عملي .

كنت أخفي بطالتي خلف بدلتي وربطة عنقي . ثم جاء موعد الراتب. ولأول مرة منذ خمسة عشر عاما ، لم أحوّل المال إلى حساب أمي .

بعد العشاء ، رنّ هاتفي . كانت أمي .  قالت : " ما وصل من حق  التربية دينار واحد يا عمر ".  قلت: " انشغلت ، يمّه. بكرة إن شاء الله " .  سكتت قليلًا ، ثم قالت: " تعال يا ولدي، أريدك لأمر مهم ". 

دخلت غرفتها، فوجدتها تضع الطعام على المائدة . قالت: " منذ زمن طويل لم تتناول طعامك عندي يا رجل! ". جلست إلى المائدة . كانت قد أعدت  لي المقلوبة ، الطبخة التي تعرف أنني أعشقها . وبعد أن انتهينا من الغداء ، صنعت لي فنجان قهوة سادة ، ثم أحضرت دفترا  أصفر قديماً  ووضعته أمامي .

قالت: " افتحه من الصفحة الأولى ". فتحته. في رأس كل صفحة، تاريخ إيداعي للمبلغ، ومقداره، واسمي، وتحت اسمي عبارة: " الله يرضى عليه ". وبجانبها، كانت تسجّل الجهة التي صُرف إليها المال: " كفالة يتيم "، و" كفالة امرأة مسنّة "، و" مساعدة في قسط طالبة يتيمة "، و" مساعدة لمريض على باب الله "، و" سلة رمضان ". 
 
كان الدفتر يضم 180 صفحة ، كلها تفاصيل لأعمال خير قامت بها أمي من المال الذي كنت أضعه في حسابها طوال تلك السنوات .
نظرت إليّ وقالت: " ولا دينار واحد من نقودك دخل جيبي يا عمر ".  ثم أخرجت هاتفها، وأرتني صورًا للوحات معلّقة في مساجد ومدارس، تحمل اسمي بوصفي فاعل خير .

أغلقت الدفتر، ووضعته أمامي، ثم أعطتني ظرفا ، وقالت: " وهذا مني أنا ". فتحته ، فإذا فيه ثمانية عشر ألف دينار . قالت: " منذ أول راتب قبضته ، وأنا أضع لك كل شهر في هذا الظرف مئة دينار، نصف المبلغ الذي تودعه في حسابي " . 

ثم نظرت إليّ وقالت : " قلت في نفسي: سيأتي شهر لا يصلني فيه منك شيء، وستكون أنت في ذلك الوقت بحاجة إلى المال ". 

نظرت إليها مذهولا  وقلت: " يمّه، كيف عرفتِ أنني فقدت عملي؟ " .  ابتسمت وقالت : " خمسة عشر عاما  لم يتأخر فيها مبلغك عني يوما  واحدا . فعرفت فورا  أن أمرا  ما قد حدث يا ولدي ". 

لم أستطع أن أقول حرفا . بكيت طويلا ، وأخبرتها بكل شيء ؛ عن الشركة ، وعن فقدان عملي ، وعن الأيام التي كنت أخرج فيها من البيت ببدلتي وحقيبتي ، ثم أجلس وحيدا  في المقاهي والسيارة حتى ينتهي يوم العمل الوهمي .

ضمّتني إلى صدرها العليل ، وتلت على رأسي المعوذات  وما تيسّر من القرآن الكريم . كان حضنها يومها أوسع من الدنيا كلها .

بعد شهر، استلمت عملا  جديدا  براتب أعلى ، في شركة مزدهرة وناجحة . وفي نهاية أول شهر، حوّلت إلى حساب أمي مئتي دينار، ثم اتصلت بها وقلت: " وصل يا يمّه ، حقّ التربية ". 

ضحكت هذه المرة . وقالت: " شكرًا، الله يرزقك " .  ثم سكتت قليلًا، وقالت : " يمّه، المئتا دينار لا أحتاجهما . كنت أريد وسيلة أطمئن بها على أحوالك المعيشية باستمرار  " . 

ثم قالت : " الأمهات والآباء لا يريدون من أولادهم إلا الخير، والستر، والسعادة، والاستقرار. يريدون أن يشاهدوا غرسهم وهو يكبر وينمو في بساتين السعادة ". 

صمتت قليلا ، ثم قالت لي: " يمّه، أوعى تخبّي عني أي أمر يخصك " . فقلت لها: «وأنتِ أيضًا، أوعى تخبّي عني أي أمر يخصك " . ثم أضفت: " طلباتك أوامر، يا أم عمر ". 

ومنذ ذلك اليوم ، كلما جاء موعد الراتب ، أتذكر أن المئتي دينار لم تكن يومًا " حقّ تربية "؛ بل كانت حقّ قلبٍ ربّاني ، وخاف عليّ، وانتظرني ، وحفظني ، حتى وأنا أظن أنني أنا الذي أحفظه .

💢 ملاحظة مهمة: الحكاية واقعية ، حدثت في بلد ما ، وصيغت حروفها من حب. قد لا يكون في تفاصيلها ما يدهش العالم، لكنها تذكرنا  بشيء أكبر من المال: أن الأمهات والآباء لا يحسبون ما بذلوه لأبنائهم بالحسابات نفسها التي نحسب بها نحن الأشياء . يعطون من أعمارهم، ومن صحتهم، ومن قلقهم وسهرهم ، ثم يكتفون بأن يروا أبناءهم بخير .

اللهم اغفر لأمهاتنا وآبائنا، وارحمهم، واجزهم عنا خير الجزاء، على ما قدّموه لنا من رعاية وحنان واهتمام وسهر وقلق، وعلى كل حبّ أعطونا إياه دون أن نعرف قيمته إلا بعد أن كبرنا .