تَوْقِيتُ عَمَلِيَّةِ الْخَلِيلِ يُثِيرُ الْكَثِيرَ مِنَ الشُّكُوكِ

2026-10-23 21:37:19

عملية الخليل صباح اليوم، وقبل الانتخابات الإسرائيلية بثلاثة أيام، تثير تساؤلات كثيرة: ما الذي ستنتجه سياسيًا، وكيف ستُستثمر في المعركة الانتخابية؟ فقد تزامن وقوعها مع الاستحقاق الانتخابي، وسرعان ما تحولت إلى مبرر لإغلاق المدن والتلويح بعملية عسكرية واسعة والدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية. ويكشف هذا التزامن عن تقاطع بين الحدث الأمني والحسابات الانتخابية والمشروع السياسي في الضفة الغربية، فيما تقدم تجربة عام 1996 مدخلًا مهمًا لفهم هذا التقاطع، خصوصًا أن بنيامين نتنياهو كان المستفيد من التحول الذي أحدثته العمليات الأمنية في تلك الانتخابات.

في فبراير ومارس 1996، شهدت إسرائيل سلسلة تفجيرات دامية أعقبت اغتيال القيادي في حركة حماس يحيى عياش، وأسفرت عن عشرات القتلى والجرحى. وضربت هذه العمليات ثقة الإسرائيليين بمسار أوسلو وبقدرة حكومة شمعون بيريس على توفير الأمن، فيما صعّد نتنياهو خطابه ضد سياسة التفاوض، مقدمًا نفسه بوصفه القادر على مواجهة الفلسطينيين بقبضة أشد. ومع انتقال الأمن إلى صدارة الحملة الانتخابية، تراجع موقع بيريس، الذي تولى رئاسة الحكومة بعد اغتيال إسحاق رابين، وانتهت الانتخابات في التاسع والعشرين من مايو بفوز نتنياهو بفارق ضئيل. وهكذا أسهمت العمليات في تغيير المزاج الانتخابي، ومنحت نتنياهو فرصة استثمرها للوصول إلى رئاسة الحكومة.

بعد ثلاثين عامًا، يعود نتنياهو إلى انتخابات يلاحقه فيها إخفاق أمني أكبر بكثير، هو هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما كشفه من خلل في الاستخبارات والقيادة والسيطرة والاستجابة العسكرية. وتلاحقه الأسئلة المتعلقة بالتحذيرات التي سبقت الهجوم، والمعلومات التي وصلت إلى جهات إسرائيلية، والوقت الذي استغرقته القوات للوصول إلى المواقع التي تعرضت للهجوم. كما أثارت التقارير المتعلقة بإطلاق مروحية إسرائيلية النار على المحتفلين في مهرجان نوفا أسئلة إضافية عن مجريات ذلك اليوم. وبذلك يخوض نتنياهو الانتخابات تحت وطأة مسؤولية سياسية عن أكبر انهيار أمني في تاريخ إسرائيل، لا من موقع قائد تجاوز إخفاقاته السابقة.

وهنا تكمن القيمة السياسية لعملية الخليل بالنسبة إليه، فالحدث الأمني الجديد يعيد ترتيب أولويات الحملة، وينقل مركز النقاش من المسؤولية عن الإخفاقات السابقة إلى القدرة على الرد على التهديدات الراهنة. وبدلًا من أن يبقى السؤال: كيف وقع هجوم السابع من أكتوبر خلال ولاية نتنياهو؟ يتقدم سؤال آخر: من يستطيع فرض الأمن اليوم؟ وبهذه الآلية، يستطيع نتنياهو إعادة تقديم نفسه بوصفه قائدًا أمنيًا حاسمًا، مستفيدًا من تحول النقاش إلى المواجهة الراهنة بدلًا من محاسبته على إخفاقات الماضي.

وتظهر سرعة توظيف الحدث في الإجراءات التي أعلنها نتنياهو، بدءًا من إغلاق الخليل والاستعداد لإغلاق شامل للضفة الغربية، وصولًا إلى التهديد بتدمير الحي الذي خرج منه المنفذون وإخلاء سكانه وتفتيش المنازل وهدمها، فضلًا عن توسيع العمليات لتشمل ما تصفه إسرائيل بالبنية التحتية للإرهاب. ثم أعلن أن الجيش يستعد لعملية هي الأوسع منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، على أن يُحدَّد توقيتها لاحقًا. وهكذا تجاوزت الإجراءات ملاحقة منفذي العملية إلى التلويح بتحرك عسكري أوسع، اتُّخذت من الحادثة نقطة انطلاق لتصعيد يتجاوز نطاقها المباشر.

وفي هذا السياق، تتكامل مواقف بن غفير وسموتريتش مع الأجندة التي تسعى الحكومة إلى دفعها في الضفة الغربية. فقد سارع بن غفير إلى الدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها، فيما طالب سموتريتش بعملية عسكرية واسعة وربطها بتفكيك السلطة وجمع السلاح والقضاء على المسلحين. كما أعلن سموتريتش توجيهًا بهدم مساحة واسعة من المباني الفلسطينية قرب موقع العملية. وبذلك انتقلت الحادثة من مواجهة مسلحة في موقع محدد إلى مدخل لطرح تغييرات واسعة في الواقع الفلسطيني، تتجاوز ملاحقة المنفذين إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والميدانية المحيطة بهم.

ولم تبدأ الدعوة إلى إضعاف السلطة الفلسطينية مع عملية الخليل؛ فهي جزء من خطاب بن غفير وسموتريتش منذ سنوات. لكن العملية وفرت لهما فرصة لتقديم مشروعهما القديم في صورة رد أمني عاجل، وتحويل مطلب تفكيك السلطة من شعار سياسي إلى مبرر لعملية عسكرية واسعة. أما نتنياهو، فيستطيع الجمع بين استثمار الحدث انتخابيًا وإرضاء شركائه اليمينيين، من خلال تصعيد يعيد الأمن إلى صدارة الحملة ويفتح المجال أمام سياسات طالما طالبوا بها. وتكتسب هذه المواقف دلالة إضافية في ضوء إقامة بن غفير في كريات أربع، المستوطنة المجاورة للخليل، وارتباطه السياسي بالمشروع الاستيطاني في المنطقة. فموقعه الجغرافي، والتقاء خطابه مع خطاب سموتريتش وقرارات نتنياهو، يوضحان كيف يمكن استثمار الحدث لدفع التصعيد إلى ما يتجاوز أهدافه المباشرة.

لكن لماذا الآن؟ هذا السؤال أساسي لفهم دلالات العملية وتداعياتها. فالخليل، كسائر الأراضي الفلسطينية، تعيش منذ سنوات تحت وطأة القيود والاقتحامات واعتداءات المستوطنين والإجراءات التي تضيق على الفلسطينيين وتعيد تشكيل واقعهم اليومي. وقد وقعت العملية في لحظة انتخابية حساسة، أعقبتها مباشرة تصريحات عن عملية واسعة وتفكيك السلطة الفلسطينية وتغيير واقع المنطقة. وهذا التزامن، إلى جانب سرعة الانتقال من الحادثة إلى طرح إجراءات تتجاوز نطاقها المباشر، يجعل توقيت العملية والظروف المحيطة بها محورًا أساسيًا في قراءة المشهد.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت قد رفعت مستوى التأهب قبل الانتخابات وعززت استعداداتها، ومع ذلك وقعت العملية واستمر الاشتباك نحو عشرين دقيقة، وفق التقارير المنشورة. وتقول الرواية العسكرية الأولية إن المنفذين كانا يخططان لاستهداف مدنيين إسرائيليين على الطريق 35، لكنهما فتحا النار عند نقطة التفتيش بعد تعذر الوصول إلى الطريق. كما أعلنت المؤسسة العسكرية أنها لم تتلق إنذارًا محددًا بالعملية. وتثير هذه المعلومات أسئلة عن طبيعة الاستعدادات وتقدير المخاطر وإدارة المواجهة والنتائج التي ترتبت عليها. فالتأهب العام لا يعني معرفة مسبقة بعملية محددة، لكنه يجعل فحص الظروف التي أحاطت بوقوعها وكيفية التعامل معها جزءًا مهمًا من فهم ما أعقبها من قرارات وتصعيد.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى فرضية تتجاوز مجرد استثمار عملية الخليل بعد وقوعها: هل كانت العملية حدثًا مفاجئًا استغله نتنياهو وحلفاؤه انتخابيًا، أم أن هناك من هيّأ لها أو سهّل وقوعها، ولو في حدّها الأدنى، ثم استُثمرت نتائجها لتسريع مشروع عسكري وسياسي أوسع في الضفة الغربية؟ إن توقيت العملية، وظروف الاشتباك، وطبيعة الاستعدادات الأمنية، وسرعة الانتقال إلى التلويح بعملية واسعة وتفكيك السلطة الفلسطينية، تجعل هذا الاحتمال جديرًا بالبحث، لا بالإقصاء المسبق. فالتحليل لا يقتصر على تحديد المستفيدين من الحدث، بل يشمل أيضًا فحص الظروف التي أحاطت به، وأي تقصير أو تسهيل محتمل.

وتمنح تجربة 1996 هذه الفرضية عمقها التاريخي. ففي ذلك العام، أسهمت العمليات الأمنية في إضعاف بيريس ومنحت نتنياهو فرصة لتقديم نفسه بوصفه البديل الأكثر تشددًا. واليوم، يتكرر تقاطع الحدث الأمني مع اقتراب الانتخابات وعودة الأمن إلى مركز الخطاب، لكن في ظروف أشد تعقيدًا؛ إذ يواجه نتنياهو إرث السابع من أكتوبر وحربًا طويلة وأسئلة مستمرة عن المسؤولية. وتؤدي عملية الخليل وظيفة سياسية تتجاوز حجمها العسكري، عبر إعادة توجيه الحملة وتقديم التصعيد بوصفه استجابة حاسمة، ومحاولة ترميم صورة القيادة الأمنية التي تضررت بشدة منذ عام 2023. ولا يعني ذلك أن الوقائع تتكرر بحذافيرها، بل إن الآلية السياسية نفسها تعود إلى الواجهة: حدث أمني يعيد ترتيب أولويات الناخبين، ويتيح للقيادة القائمة تحويل الاهتمام من إخفاقاتها السابقة إلى ردها الراهن.

ولا يقتصر أثر هذا المسار على صناديق الاقتراع. فالقرارات التي أعقبت العملية تفتح الطريق أمام مرحلة أوسع من التصعيد في الضفة الغربية، تشمل توسيع الإغلاقات والاقتحامات والاعتقالات، وهدم المنازل والمباني الفلسطينية، وفرض قيود أشد على حركة السكان. كما تهيئ هذه الإجراءات المجال لحملة تستهدف السلطة الفلسطينية نفسها، بحيث تتحول الدعوة إلى تفكيكها إلى مبرر لفرض السيطرة الإسرائيلية المباشرة على مزيد من المناطق وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وإعادة تشكيل الجغرافيا والتركيبة السكانية تحت عنوان الأمن.

وهنا يتقاطع الحساب الانتخابي مع مشروع استراتيجي أوسع. فنتنياهو يوظف الخطاب الأمني لتوحيد معسكره ودفع منافسيه إلى التنافس معه في الرد العسكري بدلًا من مساءلته عن إخفاقاته السابقة، فيما يستغل بن غفير وسموتريتش اللحظة للدفع نحو سياسات أشد قسوة على الفلسطينيين. وقد تكون المكاسب الانتخابية مؤقتة، لكن آثار العمليات العسكرية والهدم وتقييد حركة السكان تتحول إلى وقائع طويلة الأمد يصعب التراجع عنها. وهكذا تتجاوز نتائج العملية حدود الخليل لتطال الضفة الغربية كلها ومستقبل الوجود الفلسطيني على أرضه.

تكمن المفارقة في أن ما جرى عام 1996 يعود اليوم في صورة أكثر خطورة. يومها، أسهمت العمليات التفجيرية في تغيير المزاج الانتخابي الإسرائيلي ومهّدت الطريق أمام نتنياهو للوصول إلى رئاسة الحكومة بفارق ضئيل. واليوم، تمنحه عملية الخليل فرصة لإعادة تقديم نفسه بوصفه رجل الأمن، ونقل النقاش من إخفاقات السابع من أكتوبر إلى التصعيد العسكري في الضفة الغربية. وما يُحسم في صناديق الاقتراع الإسرائيلية يمكن أن يترجم على الأرض الفلسطينية إلى اقتحامات وتهجير وهدم وتوسيع للاستيطان.

من عام 1996 إلى الخليل، لا تكمن أهمية المقارنة في تكرار الوقائع بحذافيرها، بل في عودة الآلية السياسية نفسها: عملية أمنية تهز الشارع، وخطاب يتعالى باسم الأمن، وسباق انتخابي يستثمر الخوف والغضب، ثم وقائع ميدانية يدفع الفلسطينيون ثمنها. ويجد نتنياهو في التصعيد فرصة للخروج من دائرة المساءلة، فيما يستغل بن غفير وسموتريتش اللحظة لتمرير مشروعهما في الضفة الغربية. ويبقى السؤال بشأن ظروف وقوع العملية مفتوحًا للفحص، بالتوازي مع مساءلة ما ترتب عليها من قرارات، وما إذا كانت ستتحول إلى ذريعة لتوسيع الحرب على الفلسطينيين بدلًا من أن تظل حدثًا أمنيًا محدودًا.

الخطر، إذن، ليس في تكرار نتيجة انتخابات 1996 فحسب، بل في عودة آليتها على حساب شعب كامل: أن تتحول دماء الضحايا إلى رصيد انتخابي، والخوف إلى تفويض، والعملية الأمنية إلى غطاء لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. في عام 1996، ساعدت الدماء نتنياهو على دخول مكتب رئيس الحكومة؛ فهل تكون عملية الخليل اليوم الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون كي يبقى فيه، ويحوّل الضفة الغربية إلى جائزة انتخابية؟