الانتصار للحق وصواب الاختبار
لا يستطيع الإنسان المحايد، وليس فقط من تسكن لديه توجهات الانحياز والتضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع معاناته وأوجاعه بسبب جرائم الاحتلال وقسوته وفاشيته، لا يستطيع المحايد إلا وأن يُقدر، يتفهم العمل الكفاحي، وتضحيات البواسل من المناضلين من أجل قضية شعبهم، وكرامتهم، وحقهم في الحرية والاستقلال أسوة بكل شعوب الأرض.
ولكن العمل الكفاحي ليس مغامرة، وليس تضحية من أجل الانتحار، بل عمل تراكمي تدريجي، يهدف تحقيق غرضين:
أولهما التوصل إلى زيادة الوعي والانحياز والتعاطف مع قضية الشعب العادلة، وزيادة الفعاليات الكفاحية من الغالبية العظمى من أبناء الشعب المظلوم الذي يتطلع إلى الكرامة وحرية الإنسان واستقلال الوطن.
وثانيهما زيادة خسائر المستعمرة وفضحها، وتعرية مشروعها الاستعماري التوسعي، وعزلتها أمام العالم، غير ذلك تكون النتيجة خسارة للصديق المحق المناضل، ومكسب للعدو الظالم المتفوق.
في انتفاضة العام 1987 الشعبية الفلسطينية، حققت نتائج سياسية، ومكاسب غير مسبوقة للشعب الفلسطيني، أدت إلى الاعتراف الإسرائيلي بالشعب وبالمنظمة وبالحقوق.
وأدت الى تراجع وإنحسار وانسحاب قوات الاحتلال من المدن الفلسطينية، بشكل تدريجي، سواء في قطاع غزة ولدى الضفة الفلسطينية، كما أدت إلى عودة أكثر من 400 الف فلسطيني لأول مرة من المنفى إلى بلدهم، إلى وطنهم، إلى فلسطين، واقامة السلطة الوطنية.
التضحيات الفلسطينية طوال سنوات الانتفاضة الشعبية حتى عام 1993، لا تزيد عن ألف وخمسمئة شهيد،
بينما عملية 7 أكتوبر 2023 الكفاحية غير المسبوقة التي شكلت صدمة للمجتمع الإسرائيلي، ومفاجأة للجيش وللأجهزة الأمنية الإسرائيلية، كانت خسائره 1200 قتيل و251 أسير، ولكن كانت نتائجها وخيمة مدمرة فلسطينياً: أكثر من 70 ألف شهيد، وضعفهم من الجرحى والعاطلين عن الحركة، وتدمير قطاع غزة وفقدان الحياة المعيشية الطبيعية.
عملية الخليل بطولية، ولكنها انتحار بتضحيات الشهداء، وخسائر متواضعة لقوات المستعمرة، وعليه علينا أن نملك الشجاعة لأن نقول للأشقاء الفلسطينيين، أن العمل البطولي إن لم يحقق نتائج واضحة في حسابات الربح والخسارة، الربح للفلسطينيين والخسارة للإسرائيليين، تصبح عملاً بطولياً ولكنه انتحاري، لا يُحقق الغرض المطلوب الضروري من أجل مواصلة الحياة والكفاح للمناضلين المتطوعين الأفذاذ، مقابل استهداف العدو وزيادة خسائره، على طريق هزيمته واندحاره، وزواله.
المستعمرة متفوقة عسكرياً، حققت ضربات موجعة للفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين وإيران، وهي بذلك تُطيل أمد الاحتلال وتزيد من خسائر شعبنا العربي وقواه الحية وقياداته، ولذلك المطلوب اختيار أدوات الكفاح المناسبة التي تُحقق النتائج في الأرباح للصديق والخسائر للعدو، لا أن تكون مجرد عمليات كفاحية باسلة، ذات نتائج انتحارية.
أقول ذلك، من خارج فلسطين، بدوافع الدعم والإسناد والحرص على صمود وبقاء الشعب الفلسطيني، واليقظة والنصيحة للمكافحين من الفصائل وخياراتهم الكفاحية، التي ستحقق الانتصار على خلفية عدالة القضية التي يعملون من أجلها، وعلى أثر التضحيات التي قدموها ولا زالوا، ولهذا انصح قادة المقاومة بالتحقيق وحسن الاختيار في أداء عملهم الكفاحي، وأهمية مواصلته.
سينتصر شعب فلسطين مهما بلغت قوة العدو وقدراته لأنه ظالم، وعلى باطل، ومشروعه الاستعماري التوسعي لا يملك الحد الأدنى من الشرعية وقانون البقاء،و يتعارض مع القيم الإنسانية.