مفاجأة نتنياهو الكبيرة للسلطة الفلسطينية
أعتقد أن نتنياهو لن يقدم على تفكيك السلطة الفلسطينية، لأن خطوة من هذا النوع ستكلفه ثمنًا سياسيًا، أولًا مع مؤسساته الأمنية، وثانيًا مع الإقليم، وثالثًا مع المجتمع الدولي. فالسلطة الفلسطينية ما تزال تقوم بأدوارها، وهناك من يراهن على تحسين هذا الدور وتعظيمه، انطلاقًا من حسابات سياسية وأمنية تتجاوز حدود العلاقة المباشرة بين إسرائيل والسلطة.
إن بقاء السلطة الفلسطينية مفيد لأطراف كثيرة، بمعنى أنه يعفي تلك الأطراف من تحمل مسؤوليات مباشرة، ويجنبها اضطرابات وأسئلة واستحقاقات هي في غنى عنها. ومن هذه الزاوية، لا يبدو أن تفكيك السلطة خيار سهل أو قليل الكلفة، حتى بالنسبة إلى حكومة إسرائيلية تتبنى مواقف متطرفة، وتعمل على تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
لكن نتنياهو يستطيع أن يحاصر السلطة الفلسطينية ويضعفها، ويدفعها إلى حافة الإفلاس، ويقلص هوامش حركتها السياسية والدبلوماسية. ويستطيع، من خلال تقييد الحركة والحراك السياسي، ورفع الغطاء الدبلوماسي، وتجفيف ما تبقى من مصادر التمويل، أن يجعل استمرار عملها أكثر صعوبة، وربما أن يوجه إليها رسالة قوية يراد منها الإذلال والإهانة الشخصية والسياسية. فهو يملك أدوات كثيرة لتعطيل عمل السلطة الفلسطينية أو إيقافه أو منعه، من دون أن يضطر بالضرورة إلى الإعلان عن حلها رسميًا.
ومع ذلك، فإن الغموض الذي تميز به خطاب نتنياهو قد ينطوي على الكثير من الوعود الانتخابية والمناورات السياسية. فهو، كما ادعي، لا يستطيع حل السلطة الفلسطينية، لكنه يلوح بهذا الخيار أمام جمهور متعصب ومتطرف، وفي مقدمته المستوطنون الذين يطالب بعضهم علنًا بإعلان الحرب على السلطة الفلسطينية. وهكذا، قد يكون التلويح بالحل جزءًا من محاولة إرضاء هذا الجمهور، من دون تحمل التبعات السياسية والأمنية والإقليمية التي قد تترتب على تنفيذ التهديد.
وإذا افترضنا أن هذا التقدير صحيح، فإن ثمة استنتاجًا آخر يستحق التوقف عنده. فإذا قررت إسرائيل حل السلطة الفلسطينية، ووجدت، بشكل أو بآخر، طريقة أخرى للتعامل مع الشعب الفلسطيني، فإن ذلك سيكون إيذانًا بانتهاء المعنى السياسي لأي اتفاق مستقبلي معها، ما لم يكن هذا الاتفاق قائمًا على الاستسلام الكامل للمطالب الإسرائيلية.
فالسلطة الفلسطينية، التي عملت كل ما في وسعها لتقليص المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وتساوقت إلى حد كبير مع الاشتراطات الدولية، في محاولة للبحث عن الاستقرار في واقع شديد الصعوبة والتعقيد، تجد نفسها، رغم ذلك، في موقع لا تحظى فيه بالقبول الإسرائيلي، بل تتعرض للاتهام بالإرهاب والتحريض. وإذا كانت هذه هي النتيجة التي وصلت إليها سلطة اختارت مسار التسوية والتنسيق والبحث عن الاستقرار، فما الذي يمكن أن ينتظره الفلسطينيون من أي مسار سياسي آخر؟
إن حل السلطة الفلسطينية، إذا أقدمت عليه إسرائيل، لن يكون مجرد إجراء إداري أو أمني، بل سيكون إعلانًا عمليًا بأن إسرائيل لا تقبل من التسويات إلا ما يحقق شروطها وإملاءاتها، وأنها غير مستعدة للاعتراف بحق الفلسطينيين في شراكة سياسية متكافئة، حتى عندما يقدمون تنازلات واسعة تحت عنوان السلام والاستقرار.
وباختصار، إذا قامت إسرائيل بحل السلطة الفلسطينية، التي قد لا تحظى بقبول جميع الفلسطينيين أو إعجابهم، فإن ذلك سيكون، في تقديري، آخر تسوية مع إسرائيل. ولن تكون هناك إمكانية لإقامة سلام دائم معها بعد ذلك، إلا في ظروف مختلفة تمامًا؛ ظروف تعترف فيها إسرائيل بأنها كغيرها من الكيانات والدول، وأنها ليست استثناءً من قوانين الأرض والسماء معًا، ولا تستطيع أن تفرض إرادتها على الآخرين إلى الأبد.