جريمة الكرك وحماية الثقة الوطنية
استهداف أشخاص اجتمعوا لوداع ميت في رحاب كنيسة اعتداء على حرمة الإنسان والمكان.
هذا ما شهده الأردن يوم الجمعة، الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، حين استهدف الهجوم الإرهابي كنيسة حمود في محافظة الكرك، وأوقع ضحايا ومصابين.
وسيُقاس نجاح الاستجابة بكشف الجناة ومحاسبتهم، وبقدرة الأردنيين على مواصلة حياتهم المشتركة دون أن يصبح اختلافهم الديني مصدر خوف.
خلف الخبر عائلات فقدت أحباءها، وجرحى يحتاجون إلى العلاج، وناجون قد يحملون أثر ما عاشوه طويلًا.
والتضامن معهم مسؤولية تستمر بعد انحسار التغطية، عبر متابعة المصابين ومساندة الأسر والرعاية النفسية لمن يحتاجها، مع صون خصوصية الضحايا وكرامتهم.
وتعيد الجريمة إلى الذاكرة تفجيرات عمّان عام 2005 وهجوم الكرك عام 2016. وهي ذاكرة تستدعي الإفادة من الخبرة المتراكمة في مواجهة الإرهاب، دون افتراض صلة تنظيمية بين اعتداءات تفصل بينها سنوات ، فلكل جريمة أدلتها ومسؤولياتها.
وتكمن خطورة الاعتداء على دار عبادة في احتمال امتداد أثره إلى العلاقة بين المواطنين.
عندما يتردد إنسان في الذهاب إلى كنيسته، أو تخشى عائلة أن يجعلها انتماؤها الديني أقل أمنًا، قد يتحول الخوف إلى عزلة. عندها يمكن أن تستمر آثار الجريمة بعد توقف الرصاص، عبر الشك والشائعات والابتعاد عن الحياة المشتركة.
هنا تبرز المواطنة أساسا للحماية.
المسيحي الأردني صاحب وطن وحقوق أصيلة، وأمنه من صميم أمن الدولة والمجتمع.
ويؤسس الدستور الأردني للمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين، ويحمي ممارسة الشعائر.
وعندما يلمس المواطن عدالة معاملته وحمايته، تتعزز أسباب ثقته بالمؤسسات والتعاون معها. وتكتمل هذه الشراكة بحماية المشاركة والاختلاف السلمي، ليبقى الجميع حاضرين في الشأن الوطني.
وحين أكد الملك عبدالله الثاني أن الأردنيين «شركاء الأرض والموقف»، وضع المصاب في إطاره الوطني. وظهر معنى هذا الموقف مساء الاعتداء، في الوقفة التي جمعت فعاليات شعبية وحزبية ورجال دين مسلمين ومسيحيين أمام كنيسة الروم الأرثوذكس في الصويفية بعمّان.
ففي الوقوف معاً مواساة لأسر الضحايا، وتأكيد عملي أن الاعتداء على مواطن يمس مجتمعه بأكمله.
ويتلاقى ذلك مع تأكيد مفتي الأردن أحمد الحسنات حرمة الاعتداء على المسيحيين ومخالفة الجريمة للشريعة التي تحرّم قتل النفس بغير حق. ويقتضي صون الحياة مواجهة التحريض والتكفير أينما ظهرا، وتعليم الأجيال احترام الاختلاف.
فالوقاية عمل مستمر في المدرسة والمنبر والمنصات الرقمية، ينمّي قدرة الشباب على مساءلة من يبرر العنف أو يحوّل الهوية إلى أداة للعداء.
وتتولى الأجهزة المختصة ملاحقة الجناة وكشف المسؤوليات، ويتولى القضاء الفصل فيها وفق القانون. وتقوم الثقة بهذا المسار على دقة التحقيق واحترام قرينة البراءة وحصر المحاسبة في المسؤولية المثبتة.
أما الاشتباه الجماعي وتداول الاتهامات بلا دليل، فقد يعرّضان أبرياء للأذى. وتزداد هنا مسؤولية الإعلام في التحقق وصون الخصوصية، وأهمية المعلومات الرسمية المسموح بنشرها في تضييق مساحة الشائعة، مع احترام سرية التحقيق.
وتستند حماية العبادة كذلك إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يوجب حظر الدعوة إلى الكراهية الدينية حين تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
ويؤكد قرار مجلس الأمن 1566 رفض تبرير الأفعال الإرهابية باعتبارات سياسية أو دينية.
وهذه مرجعيات تسند حماية الحقوق ومحاسبة المعتدين وفق القانون.
ويضيف موقع الأردن ومواقفه بعداً إقليميا للمشهد.
ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من أيلول 2026، حذّر الملك عبدالله الثاني من التهجير والضم الفعلي في الضفة الغربية، ومن السياسات التي تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة مستحيلاً.
ومن منظور الأمن الأردني، يرتبط بقاء الفلسطينيين على أرضهم أيضا بحماية المملكة من تداعيات اقتلاعهم وتصفية حقوقهم.
وقد يفتح أي اضطراب داخلي باباً للضغط على الأردن والتأثير في مواقفه. لكن المعطيات المعلنة لا تكفي لربط جريمة الكرك بمواقف الملك أو بتوجيه خارجي، فاستفادة طرف من إرباك الأردن لا تثبت مسؤوليته عنها.
وإثبات أي صلة يحتاج إلى أدلة يكشفها التحقيق.
وتماسك الداخل أحد مصادر قوة الأردن في إدارة الضغوط الخارجية.
فالعلاقة القائمة على المساواة والثقة بين المواطن ومؤسساته قد تحد من فرص استغلال الخوف لتوسيع الانقسامات، وتمنح الدولة سنداً اجتماعياً في مواقفها.
وتبقى حماية الإنسان غاية أصيلة، يتعزز معها أمن البلد واستقلال قراره.
ومن فلسطين، يحمل الوقوف إلى جانب الأردن وقيادته وشعبه في هذا المصاب معنى تصنعه الروابط بين الشعبين، وما يجمع العائلات من تاريخ وعلاقات يومية.
ودعم أمن الأردن ووحدته واستقراره موقف أخلاقي ووطني، يتقدم فيه حق الضحايا في الإنصاف وحق أهلهم في المواساة والرعاية.
فكيف يحوّل الأردن تضامن أبنائه في لحظة الفاجعة إلى قوة دائمة تحمي حقهم في الأمان، وتصون تعدده الوطني واستقلال قراره؟
بقلم: م. معتصم حميدة
باحث في العلاقات الدولية والديبلوماسية.