الشيكل بيد غيرنا... والاستعداد بيدنا
بحسب تقرير الإحصاء الفلسطيني الصادر في أيلول 2025، يأتي نحو 64% من واردات فلسطين من إسرائيل، ويذهب نحو 90% من صادراتها إليها. وتجري حصة كبيرة من هذه المعاملات ضمن منظومة مالية يعتمد فيها الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل، وهو عملة لا نصدرها ولا نتحكم في سياستها النقدية. لذلك، حين يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية عن مخاطر عقوبات مالية محتملة ووسائل التعامل معها، لا يكون النقاش شأنًا إسرائيليًا خالصًا بالنسبة لنا. فقد تتأثر أسعارنا ومصارفنا وتدفقاتنا النقدية، حتى لو لم نكن طرفًا في القرار.
- ما قيل... وما لم يُقل
في مقابلة تلفزيونية يوم 23 تشرين الأول، أبدى رئيس الحكومة الإسرائيلية قلقه من عقوبات مصرفية محتملة، وتحدث عن اقتصاد يتجاوزها عبر العملات الرقمية وتقنيات مثل «بلوكتشين»، في سياق تحرك دولي بشأن الاستيطان تقوده بريطانيا بمشاركة 12 دولة. وفي اليوم التالي وصفها بأنها «وسيلة وليست الوحيدة»، وقال إنه «ليس مؤكدًا» أنها ستُستخدم. أما بنك إسرائيل فأعلن أن العملات المشفرة «لا يمكن أن تشكل مسارًا للالتفاف على العقوبات».
وينبغي التمييز بين تصريح سياسي، وعقوبات مصرفية محتملة لم تُقرّ، وإجراءات نافذة تتعلق بالمستوطنات؛ كما أن «بلوكتشين» ليست مرادفًا للعملات المشفرة، ولا حلًا تقنيًا جاهزًا لتجاوز القيود على البنوك. ولم تربط التقارير المنشورة هذا الكلام بالاقتصاد الفلسطيني. وما أحاوله هنا رسم خريطة الانكشاف، لا التنبؤ بما سيحدث؛ فقد يبقى التلويح تلويحًا.
- القناة الأولى: الشيكل نفسه
حذّر اقتصاديون إسرائيليون، بحسب التقارير، من احتمال تراجع الشيكل وارتفاع التضخم إذا تعقدت علاقة إسرائيل بالنظام المالي العالمي، وهي توقعات لا خسائر واقعة. وأثر ذلك علينا ليس متماثلًا. فانخفاض الشيكل يرفع كلفة السلع المسعّرة بالدولار أو اليورو عند تحويلها إلى الشيكل، أما السلع المحلية والمستوردة من إسرائيل فتختلف آثارها بحسب آلية تسعيرها، وكذلك الديون والودائع بحسب عملتها. ويتوقف الأثر النهائي على بنية الودائع والقروض حسب العملة، وهي بيانات ينبغي أن تُنشر ضمن اختبارات الضغط حتى نعرف من يربح ومن يخسر.
وهنا مفارقة تستحق التوقف: نحن لا نصدر العملة التي نعتمد عليها، لكننا نتحمل جانبًا كبيرًا من مخاطرها دون التحكم في سياستها. فإذا اهتز الشيكل لأسباب لا علاقة لنا بها، انتقلت الصدمة إلى الأسر والبنوك. فسلطة النقد لا تصدر الشيكل ولا تحدد سعر فائدته الأساسي، وإن كانت تملك أدوات تنظيمية ورقابية تدير بها جزءًا من المخاطر. ولا يعني انخفاضه ارتفاع الأسعار كلها بالنسبة نفسها، فالأثر يختلف وفق عملة الاستيراد والتسعير، وهوامش الموردين، وقدرة الشركات على نقل الزيادة إلى المستهلك.
- القناة الثانية: النقد الورقي
تكدس النقد الورقي أوضح نقاط ضعفنا. فقد قدّر مسؤول اقتصادي فلسطيني الفائض في تموز بنحو 17 مليار شيكل، وأفاد مصدر رسمي في سلطة النقد في آب بأن إسرائيل وافقت على ترحيل 4.5 مليارات منه. وكما أُعلن سابقًا، يبلغ الحد السنوي لترحيل النقد الورقي الذي تقبله إسرائيل نحو 18 مليارًا، بينما تحتاج البنوك إلى نحو 28 مليارًا.
والتلويح لا يغير حجم الفائض، لكنه قد يزيد عدم اليقين حول سرعة هذه القرارات في فترة انتخابات وضغوط خارجية. وكل تأخير له كلفة: حراسة وتأمين ونقل لنقد لا يدر عائدًا.
وهنا جوهر المشكلة، ويمكن تلخيصه هكذا: *قد نملك فائضًا من الأوراق النقدية، لكننا نعاني نقصًا في القدرة على استخدامها خارج حدود النظام المصرفي المحلي.* فالنقد المكدس يُستخدم محليًا، لكنه لا يسدد وحده فاتورة كهرباء ولا يموّل استيراد شحنة، ما لم يتحول إلى أرصدة قابلة للاستخدام في المدفوعات العابرة للحدود. ومن هنا تصبح قناة النقد والقناة المصرفية وجهين لمشكلة واحدة.
- القناة الثالثة: المراسلة المصرفية
أما الشريان الأهم فهو المراسلة المصرفية. فقد أعلن مسؤول رفيع في بنك إسرائيل في 2 أيلول تمديد خدمات بنكي «هبوعليم» و«ديسكونت» للبنوك الفلسطينية حتى نهاية 2026، وهما تقدمانها بموجب إعفاءات ضمان يوقعها وزير المالية الإسرائيلي وتُجدَّد كل ستة أشهر. ومن دون استمرار هذه الخدمات ستواجه البنوك الفلسطينية اضطرابًا شديدًا في تسوية المدفوعات بالشيكل مع الجانب الإسرائيلي، بما قد ينعكس على التجارة والخدمات الأساسية. وتغطي الخدمة، كما أُعلن سابقًا، تسوية الكهرباء والمياه والوقود والغذاء المستورد من إسرائيل، وأجور العمال الفلسطينيين داخلها، وتسوية التجارة الخارجية. وقال المسؤول نفسه إن على الحكومة الجديدة أن تحدد من يتحمل عبء هذه الخدمات بعد 2026.
وتتضح كلفة أي انقطاع إذا تذكرنا أن إسرائيل تزودنا بنحو 95% من الكهرباء و35% من المياه، وأن تسديد ثمنها من بين ما تغطيه هذه الخدمة. وتزداد أهمية الاستعداد مع اقتراب استحقاقين متتاليين: الانتخابات الإسرائيلية المقررة الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026، وانتهاء ترتيبات المراسلة المصرفية الحالية بنهاية العام. وبين الموعدين فترة قصيرة تستدعي التحضير المبكر، خصوصًا أن مستقبل هذه الخدمات سيظل مرتبطًا بقرارات حكومية وتنظيمية لا تملك المؤسسات الفلسطينية التحكم فيها.
ولا أستطيع الجزم بأن عقوبات محتملة على المصارف الإسرائيلية ستجعلها أقل استعدادًا لحمل مخاطر الحسابات الفلسطينية، لكنه احتمال منطقي: فمن ينشغل بتقليل انكشافه سيعيد حساب كل علاقة عالية المخاطر.
- المطلوب: خطة استمرارية للمدفوعات
لا يكفي إعلان سيناريوهات عامة. المطلوب *خطة استمرارية المدفوعات الفلسطينية في حالات الطوارئ*، بثلاثة عناصر تشغيلية: جهة تنسيق مسؤولة، وترتيب مسبق للمدفوعات الحيوية التي تُحمى أولًا (الوقود والكهرباء والدواء والغذاء) مع توزيع واضح للمسؤوليات بين سلطة النقد ووزارة المالية والبنوك والمستوردين، وآلية اتصال دائمة مع البنوك والمستوردين والشركاء الدوليين لترتيبات سيولة طارئة. ويُضاف إليها نشر المؤشرات الإجمالية لاختبارات الضغط، مع حماية المعلومات المصرفية الحساسة.
ويجب التمييز هنا: فالدفع الإلكتروني المحلي يخفف الاعتماد على الأوراق النقدية، لكنه لا يعوّض قنوات المراسلة الدولية. ولذلك تلزم أيضًا قنوات مراسلة بديلة جزئية بالدولار واليورو للتجارة الخارجية قدر الإمكان. ولا تكتمل الخطة دون اختبار تشغيلي يحاكي تعطل المراسلة المصرفية لعدة أيام، لتحديد المدفوعات التي يمكن استمرارها، والبدائل المتاحة فعليًا، والفجوات التي تحتاج إلى ترتيبات مسبقة مع الشركاء الدوليين. ويمكن أن تبدأ الخطوة الأولى بتشكيل فريق فني مشترك تقوده سلطة النقد، بالتنسيق مع وزارة المالية والقطاع المصرفي والجهات المعنية بالخدمات الأساسية، لوضع بروتوكول طوارئ واضح خلال فترة زمنية محددة.
- خلاصة
قد يبقى التلويح الإسرائيلي بالعملات الرقمية مجرد تلويح، وقد لا يبقى. لكن الاقتصاد الذي لا يصدر عملته لا يملك ترف انتظار ما يقرره غيره. إن بناء المناعة المالية لا يبدأ يوم انقطاع المراسلة المصرفية، بل قبل ذلك، حين تكون لدينا خطة تشغيلية مجرّبة، ومسؤوليات محددة، وترتيبات واضحة لاستمرار المدفوعات الحيوية. فالمطلوب ليس ضمان ألا تقع الصدمة، بل ضمان ألا تفاجئنا دون استعداد. **فإذا تعطلت قناة المراسلة أسبوعًا، فمن يضمن استمرار تسوية المدفوعات الأساسية، وبأي آلية؟