صندوقنا مستقلبنا لا صندوقهم

2026-10-29 18:57:48

شهد المجتمع الفلسطيني اهتماماً استثنائياً بالانتخابات الإسرائيلية، ومتابعة كثيفة لمجرياتها وتحالفاتها واحتمالات نتائجها، وكأن جزءاً من مستقبلنا بات معلقاً على ما ستفرزه صناديق الاقتراع الإسرائيلية، ويعوّل كثيرون على أن يؤدي انقلاب في موازين القوى السياسية داخل إسرائيل إلى تغيير في سياساتها تجاه الفلسطينيين، وفتح نافذة نحو حلول طال انتظارها، غير أن هذا الاهتمام، على أهميته ومشروعيته، يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: إلى أي مدى يعكس رهاننا على التغيير في السياسة الإسرائيلية تراجع إيماننا بقدرتنا على صناعة التغيير في واقعنا السياسي الفلسطيني؟

ما يلفت الانتباه في المشهد الانتخابي الإسرائيلي ليس فقط حجم الاهتمام الفلسطيني بنتائجه، بل حجم التوقعات المعلقة عليه، فثمة من يرى في صعود مرشح أو تراجع آخر احتمالاً لتغيير المعادلة، أو فرصة لاستعادة أفق سياسي مغلق منذ سنوات، لكن التجربة الطويلة تفرض علينا قدراً من الحذر؛ إذ لا يكفي أن تتغير الوجوه في إسرائيل حتى تتغير السياسات، ولا يعني تبدّل الحكومات بالضرورة تبدّل المنظومة التي تنتج التمييز والإقصاء وتكرّس السيطرة على حياة الفلسطينيين وحقوقهم.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يستحق التقدير في هذا المشهد هو الحراك الذي شهده المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، والاحتشاد الواسع دفاعاً عن الهوية والحقوق والمواطنة، وفي مواجهة العنصرية وسياسات الإقصاء. لم يكن هذا الحضور مجرد استجابة لموسم انتخابي، بل تعبيراً عن محاولة استعادة المبادرة السياسية، وتأكيد أن الفلسطينيين ليسوا مجرد موضوع في برامج الأحزاب الإسرائيلية، بل أصحاب قضية وحقوق ومصالح ينبغي أن يكونوا حاضرين في تحديد مستقبلهم.

واللافت أكثر أن هذا الحراك لم يقتصر على السياسيين والأحزاب؛ فقد امتد إلى الناشطين والمؤثرين والشباب، الذين وجدوا في اللحظة الانتخابية فرصة للتعبير عن مواقفهم، وحشد مجتمعاتهم، والمطالبة بحقوقهم بصوت واضح، وقد استوقفتني عبارة سمعتها من إحدى الناشطات على منصات التواصل الاجتماعي: «صبرنا سنوات على الصمت عن كل قضايانا، واليوم يوم الحساب». وبصرف النظر عن سياق العبارة، فإن ما تحمله من دلالات يتجاوز الانتخابات نفسها؛ إنها تعبير عن الانتقال من الانتظار إلى الفعل، ومن الصمت إلى المطالبة، ومن التعويل على الآخرين إلى محاولة التأثير في مسار الأحداث.

وأمام هذا المشهد، وجدتني أتساءل: ليت مثل هذا الحراك، بما يحمله من طاقة سياسية ومجتمعية، يتجدد بالزخم نفسه في الساحة الفلسطينية، حيث انتظر الفلسطينيون عشرين عاماً انتخابات عامة تعيد وصل المواطن بمؤسساته، وتجدد شرعية النظام السياسي، وتمنح الأجيال الشابة فرصة المشاركة في رسم مستقبلها، عشرون عاماً لم تكن مجرد فترة زمنية طويلة، بل كانت سنوات من تآكل الثقة، واتساع الفجوة بين المجتمع والقيادة، وتراجع فرص المساءلة والمشاركة والتغيير السلمي.

كيف أصبحنا نتابع تفاصيل المنافسة الانتخابية الإسرائيلية بهذا القدر من الشغف، بينما يبدو مستقبلنا الانتخابي الفلسطيني وكأنه شأن مؤجل؟ ولماذا نمنح احتمالات التغيير في المجتمع السياسي الإسرائيلي مساحة واسعة من تفكيرنا ونقاشنا، في حين لا نمنح بالقدر نفسه من الاهتمام والطاقة إمكانات التغيير داخل مجتمعنا ومؤسساتنا وقيادتنا؟

وقد وجدت هذا الاهتمام حاضراً حتى في نقاشاتي مع أطفالي، الذين تابعوا الانتخابات الإسرائيلية بتركيز لافت، وحاولوا فهم السيناريوهات المحتملة لنتائجها وانعكاساتها علينا، وحين سألتهم عن سر هذا الاهتمام، وعن دوافعهم إلى متابعة التفاصيل بهذا القدر من الجدية، جاءني الجواب بعفوية تختصر الكثير: «كيف ما بدنا نهتم؟ بدنا نشوف، ضايلين ولا رايحين يا زلمة!»

توقفت طويلاً عند هذه الإجابة. ففي بضع كلمات، اختُزلت المسافة بين الانتخابات بوصفها استحقاقاً سياسياً، والانتخابات بوصفها حدثاً قد ينعكس على تفاصيل الحياة والمستقبل والمصير. لم يكن السؤال في نظرهم من سيفوز، ولا أي حزب سيشكل الحكومة، بل ماذا تعني هذه النتائج لنا نحن؟ وهل تحمل معها مزيداً من التضييق وانسداد الأفق، أم تفتح احتمالاً مختلفاً؟

لكن ما استوقفني أكثر هو أن أطفالنا باتوا يتابعون خيارات الناخب الإسرائيلي، ويحاولون استشراف مستقبلهم من خلالها، فيما لا تزال خياراتنا السياسية الفلسطينية معلّقة، وحقنا في تجديد مؤسساتنا وقياداتنا مؤجلاً، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف وصلنا إلى مرحلة يشعر فيها أطفالنا بأن عليهم فهم ما يقرره الآخرون كي يعرفوا ما إذا كان لهم مكان في مستقبلهم، بينما لا نمنحهم الفرصة نفسها للمشاركة في تقرير هذا المستقبل من خلال نظام سياسي فلسطيني متجدد وفاعل؟

ربما لهذا السبب تحديداً، لا أرى أن المشكلة تكمن في اهتمامنا بالانتخابات الإسرائيلية، بل في أن يتحول هذا الاهتمام إلى بديل عن الانشغال بمصيرنا السياسي، وعن استعادة قدرتنا على الفعل والمبادرة، فنحن بحاجة إلى أن نفهم ما يقرره الآخرون بشأننا، لكننا أحوج إلى أن نستعيد قدرتنا على تقرير ما نستطيع بشأن أنفسنا.

ليس المقصود التقليل من أهمية الانتخابات الإسرائيلية أو من تأثير نتائجها في حياة الفلسطينيين. فالسياسات الإسرائيلية تمس تفاصيل حياتنا اليومية، وتؤثر في حريتنا وحركتنا واقتصادنا وأمننا ومستقبلنا الوطني، ومن الطبيعي أن نتابع ما يجري في إسرائيل، وأن نفهم تحولات مجتمعها السياسي، وأن نحلل برامج أحزابها ومواقف قادتها، لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين فهم ما يجري حولنا والتعويل عليه، وبين تحويل الانتخابات الإسرائيلية إلى مساحة أمل بديلة عن العمل من أجل التغيير في واقعنا الفلسطيني.

ربما آن الأوان لأن نعيد توجيه جزء من هذه الطاقة السياسية نحو الداخل الفلسطيني: نحو تحليل أزماتنا بجرأة، والتعويل على قدراتنا والانخراط في شؤوننا العامة، واستعادة السياسة باعتبارها مجالاً للفعل والمشاركة، لا مجرد انتظار لما ستقرره صناديق اقتراع الآخرين.