"الخليل في قبضة الحصار: تهجير الإنسان واستهداف المكان والذاكرة"
أكتب عن الخليل وأتابع عن كثب ما يجري في أحيائها وبلداتها بقلق ابنة تعرف أن لكل شارع في هذه المدينة حكاية، ولكل حي امتداداً في حياة الناس وعلاقاتهم وذاكرتهم. وما تشهده الخليل اليوم يستحق قراءة تتجاوز متابعة الأخبار المتلاحقة؛ لأن ما يجري في منطقة الجلدة وعين دير بحة ومحيطها يمسّ الإنسان في بيته وأمنه وحقه في الحركة والعمل والتعليم، ويطال في الوقت ذاته النسيج الاجتماعي والاقتصادي لمدينة ارتبط تاريخها بقدرة أهلها على التمسك بأرضهم ومؤسساتهم وحياتهم.
مع دخول العدوان الإسرائيلي أسبوعه الثاني، تتكشف صورة أكثر اتساعاً للأزمة. فالحصار والإغلاقات والمداهمات المتواصلة دفعت مئات الأسر إلى مغادرة منازلها قسراً، فيما بقيت أسر أخرى داخل مناطق مغلقة، تواجه صعوبات في الحركة والوصول إلى احتياجاتها الأساسية. وتشير البيانات المعلنة إلى تهجير نحو اكثر من خمسمئة أسرة تضم أكثر من ثلاثة آلاف مواطن، فيما تجاوز عدد العائلات المتضررة، بين التهجير والحصار، اكثر من سبعمئة أسرة، وأصبح نحو خمسة آلاف مواطن في دائرة التأثر المباشر بهذه الإجراءات. وهذه تقديرات مرتبطة بوقت إعلانها، وقد تتغير مع استمرار العملية واتساع نطاقها.
لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تختصر حقيقة ما يعيشه الناس. فخلف كل أسرة مهجّرة بيتٌ أُغلق على تفاصيل أصحابه، وأطفال ابتعدوا عن غرفهم ببيوتهم ومدارسهم وأصدقائهم، وأمهات يحملن همّ تدبير الاحتياجات اليومية، وكبار سن ومرضى وجدوا أنفسهم أمام ظروف استثنائية تهدد انتظام رعايتهم الصحية. وحين يُجبر الإنسان على مغادرة منزله، فإنه يفقد جزءاً من استقراره وشعوره بالأمان، ويصبح مستقبله القريب معلقاً على سؤال العودة، وعلى ما إذا كان سيجد بيته وممتلكاته كما تركها.
وتكشف الوقائع الميدانية عن مداهمات للمنازل وتخريب لمحتوياتها، واحتجاز مواطنين والتنكيل بهم، إلى جانب اعتقالات واسعة تحدثت عنها التقارير المحلية. وقد تناقلت وسائل الإعلام مشاهد لمواطنين محتجزين في عين دير بحة، أُجبروا على الوقوف وأيديهم خلف رؤوسهم، في مشهد يختصر حجم الضغط الواقع على السكان، ويترك آثاراً نفسية واجتماعية تتجاوز الأشخاص الذين ظهروا في الصور إلى عائلاتهم ومحيطهم. كما تحدث مواطنون عن مصادرة مركباتهم، مؤكدين امتلاكهم أوراقاً قانونية لها، الأمر الذي يضيف عبئاً جديداً على أسر تعتمد على هذه المركبات في العمل والتنقل وتلبية احتياجاتها.
ومن أكثر الوقائع قسوة تفجير منازل الناس في منطقة دير بحة المحاصرة. فالمنزل في الخليل يحمل قيمة تتجاوز جدرانه ومساحته؛ إنه ذاكرة عائلة، وامتداد لعلاقات اجتماعية، ومساحة تتشكل فيها حياة الأجيال. وتفجير منزلين في حي يعيش أصلاً تحت الحصار يضيف إلى معاناة السكان خسارة مادية ونفسية واجتماعية، ويعمّق شعور العائلات المحيطة بعدم الاستقرار والخوف على مصير مساكنها. ومن الضروري أن تبقى هذه الوقائع موثقة، وأن تُتابع آثارها على أصحاب المنازل والجوار، وعلى حق العائلات في السكن الآمن.
بالاضافة الى عدة بيوت وضع عليها حرف x تمهيدا لاحتلالها او نسفها ، مما يثير كثيراً من التساؤلات حول مصير اصحاب هذه المنازل.
إن البعد الإنساني للحصار يتجلى كذلك في صعوبة وصول الإغاثة إلى العائلات التي بقيت داخل المناطق المغلقة، وفي الاحتياجات المتزايدة للأسر التي اضطرت إلى النزوح. فالغذاء والدواء ومستلزمات الأطفال والاحتياجات الصحية أمور لا تحتمل التأجيل، ولا يجوز أن تتحول إلى احتياجات يصعب الحصول عليها بسبب إغلاق الطرق أو تعذر الوصول. وتبذل المؤسسات الرسمية والأهلية واللجان المحلية جهوداً لتوفير المساعدات، غير أن حجم الأزمة واتساعها يفرضان استمرار التنسيق وتوسيع الاستجابة، وضمان وصولها إلى كل أسرة متضررة، ولا سيما المرضى وكبار السن والنساء الحوامل والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي التعليم، تتضح خطورة الحصار من خلال تعطيل انتظام العملية التعليمية في مناطق واسعة. فقد تأثرت عشرات المدارس بصورة مباشرة، وحُرم نحو اكثر من ثلاثة آلاف طالب وطالبة في المناطق المستهدفة من الوصول المنتظم إلى مقاعد الدراسة، فيما امتد الاضطراب إلى عشرات الآلاف من الطلبة على مستوى محافظة الخليل خلال الأسبوع الذي تناولته البيانات الرسمية. كما تأثر المعلمون والعاملون في المؤسسات التعليمية، وتعذر على عدد من الطلبة النازحين متابعة دراستهم بصورة طبيعية.
ومن منظور تربوي واجتماعي، فإن تعطيل التعليم في ظروف الحصار والنزوح يضاعف الأثر الواقع على الأطفال. فالطالب الذي يغادر منزله تحت ضغط الاقتحام أو يعيش قلقاً على سلامة أسرته لا يواجه انقطاعاً دراسياً فحسب؛ إنه يواجه اضطراباً في بيئته النفسية والاجتماعية، وفي إحساسه بالاستقرار والانتماء. كما أن الانتقال إلى المهمات التعليمية أو التعلم عن بُعد لا يوفر بالضرورة بديلاً متكافئاً لجميع الطلبة، خصوصاً في ظل النزوح أو ضعف الاتصال أو غياب المكان الملائم للدراسة. ومن هنا، فإن حماية حق الأطفال في التعليم ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من الاستجابة الإنسانية، وأن تترافق مع دعم نفسي وتربوي يساعدهم على تجاوز آثار هذه الظروف.
أما اقتصادياً، فإن الخليل تواجه خسائر تتجاوز ما يظهر في حركة الأسواق اليومية. فالإغلاقات وتعطيل الطرق وإعاقة وصول العمال والموظفين والزبائن إلى أماكن عملهم تؤثر في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والإنتاج الغذائي. وقدّرت الغرفة التجارية الخسائر اليومية بما يقارب عشرة إلى اثني عشر مليون شيقل، مع تأثر قطاع الألبان وحده بخسائر تُقدّر بنحو مليون شيقل يومياً. كما أُشير إلى تضرر منشآت اقتصادية في منطقة فرش الهوى.
وتكمن خطورة هذه الخسائر في امتدادها إلى شبكة واسعة من المصالح والأسر. فتعطل منشأة إنتاجية ينعكس على العاملين فيها والموردين والموزعين، وإغلاق متجر يحرم صاحبه من دخله ويؤثر في قدرة أسرته على الوفاء بالتزاماتها، وتعذر وصول العامل إلى عمله يعني فقدان أجر يومي قد تعتمد عليه أسرته في تأمين احتياجاتها. ومع استمرار الإغلاق، تتراكم الالتزامات المالية وتتراجع القدرة الشرائية، وتصبح المنشآت الصغيرة والأعمال العائلية أكثر عرضة للتوقف. وهكذا يتحول الحصار من إجراء يقيّد الحركة إلى عامل يضغط على مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المدينة.
ومن المهم هنا قراءة ما يجري في سياق الخليل بوصفها مركزاً اقتصادياً وخدمياً لمحافظة واسعة، ترتبط أحياؤها وبلداتها بحركة يومية من العمال والطلبة والمراجعين والتجار. فأي إغلاق في مداخل المدينة أو محيطها لا يظل محصوراً في المنطقة المستهدفة؛ إذ تنتقل آثاره إلى حركة السوق، والمؤسسات التعليمية والصحية، وشبكات النقل والتوريد، وإلى حياة المواطنين في مناطق أخرى ترتبط بالخليل. وهذه الطبيعة المترابطة تجعل استمرار الحصار ذا أثر يتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة.
أما سياسياً، فإن ما يجري يطرح أسئلة جوهرية حول أثر الإغلاق العسكري والتهجير وتقييد الحركة في حياة السكان وحقوقهم الأساسية. فحين تتعرض أحياء سكنية للإغلاق، وتُجبر عائلات على مغادرة بيوتها، وتتوقف المدارس والأعمال، وتتعذر حركة المرضى والإمدادات، تصبح القضية أكبر من إجراءات ميدانية متفرقة؛ إنها واقع يفرض على المؤسسات الفلسطينية والهيئات الحقوقية والدولية متابعة ما يحدث، والتحقق من الوقائع، والعمل على ضمان حماية المدنيين وممتلكاتهم وحقهم في العودة إلى منازلهم.
ومن زاوية اجتماعية ومكانية، فإن عزل الأحياء عن محيطها يضعف الروابط التي تمنح المدينة تماسكها. فالخليل تتشكل من أحياء متصلة بعلاقات القرابة والجيرة والعمل والتجارة، ولا يمكن التعامل مع الجلدة وعين دير بحة باعتبارها نقاطاً منفصلة على الخريطة. لكل منطقة امتدادها في حياة المدينة، ولكل طريق وظيفة يومية، ولكل منزل موقعه في ذاكرة أصحابه وجيرانه. وعندما تُغلق هذه المساحات أو يُهجّر سكانها، يتغير إيقاع الحياة، وتتراجع قدرة الناس على ممارسة أبسط حقوقهم، وتتضرر العلاقة الطبيعية بين الإنسان ومكانه.
ومن هنا تبرز أهمية التوثيق بوصفه عملاً معرفياً وحقوقياً في آن واحد. فتوثيق شهادات العائلات، والأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات والمنشآت، ومصادرة المركبات، وتعطيل المدارس، وصعوبات وصول الإغاثة، يحفظ الوقائع من التشتت والنسيان، ويوفر مادة يمكن الاستناد إليها في المتابعة القانونية والإعلامية والمؤسساتية. كما أن توثيق الأثر الاجتماعي والاقتصادي والنفسي يمنح الصورة عمقها الحقيقي، ويمنع اختزال ما يجري في أعداد مجردة أو مشاهد متفرقة.
وأنا أتابع أخبار الخليل، أجد أن أكثر ما يستوقفني هو اتساع المسافة بين الحياة التي اعتادها الناس وما فُرض عليهم خلال أيام قليلة: بيت أُخلي، ومدرسة أُغلقت، ومحل تجاري توقف، وطريق لم يعد متاحاً، وأسرة تنتظر خبراً يسمح لها بالعودة. هذه التفاصيل اليومية هي جوهر الحكاية الإنسانية، وهي ما ينبغي أن يصل إلى الرأي العام والمؤسسات الدولية بوضوح ومسؤولية.
الخليل مدينة عريقة بأهلها وذاكرتها ومؤسساتها، وأهلها يستحقون حياة آمنة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وحقاً كاملاً في بيوتهم وأعمالهم ومدارسهم وطرقاتهم. إن إنهاء الحصار، ووقف تهجير العائلات، وضمان وصول الإغاثة، وحماية الممتلكات، وعودة الطلبة إلى مدارسهم، تمثل مطالب إنسانية وحقوقية عاجلة. وستبقى متابعة ما يجري وتوثيقه مسؤولية وطنية وأكاديمية وإعلامية، وواجباً تجاه مدينة نعرف أن حكايتها أكبر من حدود الأحياء المحاصرة، وأن ذاكرة أهلها وحقهم في المكان تستحق أن تُصان.