جمعية المرأة العاملة: حماية النساء الفلسطينيات مسؤولية أممية غير قابلة للمساومة

2026-11-01 14:17:11

قبل ستة وعشرين عاماً، استقبلت الحركات النسوية على مستوى العالم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 باعتباره يمهد الطريق أمام حماية فعلية للنساء، والاعتراف بدورهن وحقهن في المشاركة في صنع السلام. واليوم، تحلّ ذكرى القرار فيما لا تزال نساء كثيرات يدفعن ثمن الحروب والاحتلال، ويواجهن انتهاكات لا تجد استجابة دولية توقفها أو مساءلة تردع مرتكبيها. وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال قائماً: ما قيمة الالتزامات الدولية حين لا تلمس النساء أثرها في حياتهن وأمنهن وحقوقهن؟

في فلسطين، يحمل هذا السؤال معنى يومياً ومؤلماً. فالأمن بالنسبة للمرأة الفلسطينية يعني أن يبقى بيتها قائماً، وأن يصل أطفالها إلى مدارسهم ويعودوا سالمين، وأن تتمكن من الوصول إلى المستشفى والعمل والأرض دون خوف أو منع. ويعني أيضاً أن تعيش في وطن حر، وأن يكون لها صوت مؤثر في القرارات التي تحدد مستقبلها. وهذه حقوق يقوّضها الاحتلال والاستيطان والتهجير القسري، فيما تتكرر التعهدات الدولية دون إجراءات تتناسب مع حجم المسؤولية.

لا تنتظر النساء الفلسطينيات بياناً آخر يعرب عن القلق. إنهن يطالبن بحماية تكفل حياتهن وكرامتهن، وبوقف الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وضمان حقهن في العدالة وجبر الضرر. ومن حقهن أن يسألن عن جدوى أجندة تحمل اسم المرأة والسلام والأمن، بينما يعجز المجتمع الدولي عن إلزام دولة الاحتلال باحترام حقوقهن.

وتؤكد جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية أن فصل معاناة النساء الفلسطينيات عن الاحتلال هو تضليل وتغييب لأسبابها ويضعف فرص معالجتها. فهدم المنزل يعني فقدان الأمان والخصوصية، وتقييد الحركة يحرم النساء من العلاج أو الدراسة أو مصدر الرزق، والتهجير يحمّل النساء أعباء إضافية في حماية ورعاية الأسر في ظروف تفتقد أبسط مقومات الحياة الآدمية.

ومن هنا، ترفض الجمعية استخدام نتائج مؤشر المرأة والسلام والأمن لتجميل صورة دولة الاحتلال، أو تقديم ترتيبها المتقدم على فلسطين بوصفه دليلاً على احترامها حقوق النساء. فقد وضع مؤشر 2025/2026 إسرائيل في المرتبة 84 من أصل 181 دولة واقتصاداً، فيما جاءت فلسطين في المرتبة 167. وهذه المقارنة تستدعي سؤالاً لا يجوز تجاوزه: كيف تُقرأ أوضاع النساء تحت الاحتلال دون أن تظهر بوضوح مسؤولية الدولة التي تمارس الاحتلال عن تقويض أمنهن وحقوقهن؟

إن توثيق تدهور أوضاع النساء الفلسطينيات ضروري لإظهار ما يتعرضن له والمطالبة بحقوقهن. لكن الأرقام تفقد جزءاً أساسياً من معناها حين تُعرض دون تفسير أسبابها وتحديد المسؤولية عنها. فتراجع فرص التعليم والعمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، والخوف على الحياة، ترتبط بسياسات وممارسات يجب أن تكون حاضرة عند تفسير النتائج. ومن غير المقبول أن تسجّل المؤشرات آثار الانتهاكات على النساء الفلسطينيات، ثم تُستخدم المقارنة ذاتها لإبراز أفضلية دولة الاحتلال، دون مساءلتها عن دورها في إنتاج هذه الآثار.

وتظهر هذه الإشكالية بوضوح عند النظر إلى مشاركة النساء في القطاع الأمني في دولة الاحتلال، فزيادة أعداد المجندات في الجيش والأجهزة الأمنية التي تتفنن في قمع الفلسطينيين والفلسطينيات وانتهاكات القانون الدولي الإنساني وأجندة المرأة والسلام والأمن، لا يجوز اعتمادها كمؤشرات لاعتبار "إسرائيل" متقدمة في تطبيق الأجندة؛ إذ لا يمكن فصل هذه المشاركة عما تمارسه المجندات بحق الفلسطينيين والفلسطينيات تحت الاحتلال. فحين تشارك المجندات في القمع وإذلال النساء الفلسطينيات على الحواجز وفي السجون، فإن المطلوب هو التحقيق في هذه الممارسات ومحاسبة من تثبت مسؤوليتها عن انتهاكات القانون الدولي، عبر الآليات الدولية المختصة. وهذه الممارسات تناقض الأساس الذي قامت عليه الأجندة لحماية النساء وصون حقوقهن وكرامتهن، ولا يصح احتسابها ضمن إنجازات تمكين المرأة. لذلك، فإن قياس المشاركة بالأعداد وحدها، مع تجاهل الأدوار والممارسات، يقدم صورة مضللة عن تطبيق الأجندة؛ فحضور النساء في المؤسسات العسكرية والأمنية لا يحقق غاياتها حين يرتبط بقمع نساء أخريات وانتهاك حقوقهن.

وعليه، تطالب الجمعية معهد جورج تاون لأبحاث المرأة والسلام والأمن ومعهد أبحاث السلام في أوسلو بمراجعة مدى قدرة منهجية المؤشر على إظهار أثر الاحتلال والمسؤولية عنه. وتشمل هذه المراجعة توضيح الفئات السكانية التي تغطيها البيانات، وكيفية احتساب أوضاع النساء الخاضعات للسيطرة الفعلية للدولة، وكيف تنعكس الانتهاكات الواقعة عليهن في تقييمها. وتدعو الجمعية إلى إشراك

المؤسسات النسوية الفلسطينية في هذه المراجعة، والتوضيح الصريح بأن المؤشر يقيس جوانب من أوضاع النساء، ولا يمنح الدول شهادة امتثال للقانون الدولي أو لأجندة المرأة والسلام والأمن.

وتذكّر الجمعية بأن محكمة العدل الدولية خلصت، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكدت التزام الدول بعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عنه أو تقديم العون أو المساعدة في استمراره. وهذا يقتضي من الدول مراجعة سياساتها وممارساتها، وضمان ألا تسهم في إدامة الاحتلال. فلا يستقيم التعهد بحماية النساء الفلسطينيات مع تقديم دعم يُستخدم في انتهاك حقوقهن أو استمرار حرمان شعبهن من الحرية.

وفي ذكرى صدور قرار مجلس الأمن الدولي 1325، تطالب الجمعية الأمم المتحدة والدول الأعضاء باتخاذ إجراءات واضحة وقابلة للمساءلة، وفي مقدمتها:

1. العمل الفعلي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما يتيح للنساء الفلسطينيات العيش بحرية وأمان والمشاركة في بناء مستقبلهن ومستقبل الشعب الفلسطيني عامة.

2. ضمان حماية الفلسطينيات والفلسطينيين ووصول المساعدات دون عوائق، وتأمين الخدمات الصحية، بما فيها خدمات الصحة الإنجابية، وخدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي.

3. وقف نقل الأسلحة والمعدات والمساعدات التي تُستخدم في ارتكاب الانتهاكات، وفرض عقوبات محددة على المسؤولين عنها، وفقاً للقانون الدولي.

4. دعم التحقيق والمساءلة أمام الآليات القضائية الدولية وصون استقلالها، وضمان وصول الناجيات والمتضررات إلى العدالة وجبر الضرر، وحمايتهن من الترهيب والانتقام، ورفض التسويات التي تكرّس الإفلات من العقاب.

5. ضمان مشاركة النساء الفلسطينيات ومؤسساتهن النسوية مشاركة كاملة ومتساوية ومؤثرة، في القرارات السياسية وجهود الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، وتوفير تمويل مستدام ومستقل يتيح لهذه المؤسسات مواصلة عملها.

بعد ستة وعشرين عاماً على صدور القرار 1325، يحق للنساء الفلسطينيات أن يطالبن بما يتجاوز الاعتراف بمعاناتهن. يحق لهن رؤية إجراءات تحمي حياتهن، وقضاءً ينصفهن، وإرادة دولية تضع حدّاً للاحتلال والإفلات من العقاب. وبذلك تُقاس مصداقية أجندة المرأة والسلام والأمن، وقدرة الأمم المتحدة على الوفاء بالتزاماتها.

إن حماية النساء الفلسطينيات مسؤولية أممية غير قابلة للمساومة، وحقوقهن في الحرية والعدالة والأمن لا يجوز أن تبقى رهينة الحسابات السياسية وازدواجية المعايير.