هل تدفع الحروب والكوارث الطبيعية وسوء استخدام الذكاء الاصطناعي العالم نحو حافة الانهيار؟

2026-11-05 17:36:27

لم يعد العالم يواجه أزمات منفصلة أو مخاطر عابرة، بل بات يقترب من مرحلة أشد خطورة بفعل ثلاثة عوامل تتداخل وتضاعف آثار بعضها بعضًا: حروب تشعلها قرارات سياسية وعسكرية تتجاهل حياة المدنيين، وكوارث طبيعية تتفاقم بفعل التغير المناخي واستنزاف الموارد وضعف الاستعداد، وتكنولوجيا متسارعة توظفها دول وجماعات ومصالح اقتصادية وعسكرية في الاختراق والتدمير والتضليل. وهذه ليست تهديدات افتراضية، بل وقائع تكشف كيف تحولت أدوات التقدم إلى وسائل قد تهدد شروط بقاء الإنسان نفسه.

لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات والدبابات وحدها؛ فقد أصبح استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية والرقمية جزءًا من أدوات الصراع.، فتعطيل المصارف والكهرباء والمياه والاتصالات والموانئ والمطارات وشبكات النقل والإمداد قادر على شل حياة ملايين البشر، وإضعاف دولة من دون احتلال أراضيها. ومن يختار توسيع الحرب لتشمل مقومات الحياة المدنية يتحمل مسؤولية تعريض المجتمعات بأكملها للخطر.

وتكشف الهجمات الإلكترونية المتزايدة عن اتساع هذا التهديد. ففي 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي نسبة سرقة أصول رقمية من منصة بينانس إلى كوريا الشمالية، وقدّر قيمتها بأكثر من ستة مليارات دولار. ولا تقتصر خطورة هذه العمليات على الأموال المسروقة، بل تشمل قدرة الجهات المنفذة على اختراق الأنظمة المالية وتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للسرقة والتخريب وتحقيق المكاسب الاستراتيجية. كما حذّر صندوق النقد الدولي، في تقريره عن الاستقرار المالي العالمي الصادر في تشرين الأول 2026، من قدرة الحوادث الإلكترونية على تعطيل الخدمات المالية وإضعاف الثقة بها، خصوصًا مع ترابط المؤسسات واعتمادها على مزودي خدمات مشتركين.

ولا يقل استهداف منشآت المياه والكهرباء والطاقة خطورة، ففي 30 تموز 2026، حذّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ووكالة حماية البيئة من هجمات إلكترونية طالت أنظمة تشغيل ومراقبة منشآت المياه والصرف الصحي في سبع ولايات أمريكية على الأقل، وأدت بعض الهجمات إلى انخفاض ضغط المياه وحدوث فيضانات، وقد يؤدي اختراق أنظمة التحكم إلى تعطيل المضخات والمنشآت، فيما تمتد آثار انقطاع الكهرباء والمياه إلى المستشفيات والمصانع والمنشآت الغذائية وسلاسل التبريد. وهكذا يمكن لاستهداف مرفق واحد أن يطلق سلسلة من الأعطال التي تطال قطاعات متعددة.

لكن التهديد لا يأتي من الهجمات وحدها، فقد كشفت أحداث صيف 2026 عن هشاشة منشآت الطاقة أمام الظروف الطبيعية؛ إذ أدى الجفاف والانخفاض الاستثنائي في منسوب نهر الدانوب إلى خفض إنتاج محطة باكس النووية في المجر وتعطيل عدد من وحداتها، كما اضطرت محطة تشيرنافودا النووية في رومانيا إلى إيقاف وحدتيها تباعًا بسبب الظروف الهيدرولوجية ذاتها، ولم تكن هذه الوقائع نتيجة هجمات إلكترونية، بل نتيجة الجفاف وانخفاض منسوب المياه، لكنها أظهرت كيف يمكن لتراجع مورد طبيعي واحد أن يؤثر في منشآت حيوية. فالكارثة قد تكون طبيعية، لكن حجم خسائرها يرتبط أيضًا بمدى استعداد الدول وسياساتها لإدارة الموارد.

وتزداد خطورة هذه الترابطات مع اعتماد المجتمعات على مراكز البيانات والخدمات السحابية وشبكات الاتصالات، التي تدير المعاملات المصرفية وأنظمة النقل والتوزيع والخدمات الحكومية، كما أن تعطيل الموانئ والمطارات وشركات الشحن والمخازن، بفعل هجوم إلكتروني أو مواجهة عسكرية أو إغلاق ممرات بحرية، قد يؤخر وصول الوقود والغذاء والأدوية والمواد الخام، ويرفع الأسعار ويضعف القدرة الشرائية، وعندما تتعطل هذه الشبكات، لا تبقى الأزمة محصورة في قطاع تقني أو تجاري، بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

ويظهر أثر ذلك بوضوح في الأمن الصحي والغذائي، فالمستشفيات تعتمد على الكهرباء والمياه والاتصالات، فيما تحتاج الأدوية واللقاحات ومخزونات الدم ومشتقاته إلى درجات حرارة محددة، وقد يؤدي انقطاع الكهرباء وتعطل أنظمة التبريد، إذا طال أمده وتعذر نقل المخزونات، إلى فقدان منتجات طبية يصعب تعويضها. أما الأمن الغذائي فلا يعتمد على الأرض والمياه وحدهما، بل يرتبط بتوافر البذور والأسمدة والوقود والآلات والنقل والتخزين، وهي مدخلات تتأثر بالحروب واضطراب التجارة وارتفاع الأسعار.

 

وتبرز هنا مسألة البذور الهجينة؛ فبذور الجيل الأول قد تحقق إنتاجية وخصائص زراعية مرغوبة، لكنها لا تعطي بالضرورة النتائج نفسها عند إعادة زراعتها، ما يدفع المزارعين إلى شراء بذور جديدة، ما يعني الاعتماد الواسع على أصناف تجارية محددة وتراجع البذور المحلية القابلة للحفظ وإعادة الزراعة ما قد يضعف استقلال المجتمعات الزراعية، وينطبق الأمر ذاته على الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد إنتاجها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي؛ فارتفاع أسعار الطاقة وتعطل طرق الشحن والحروب يرفع تكلفتها، وقد يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها، بما ينعكس على المحاصيل والإنتاج الغذائي، لذلك فإن ترك أمن البذور والأسمدة ومدخلات الإنتاج رهينة الأسواق ومصادر محدودة ليس مجرد خلل اقتصادي، بل مصدر تهديد للأمن الغذائي.

وإلى جانب ذلك، لم تعد الحروب الحديثة تفصل بين الجبهة العسكرية والمدنية؛ فقد تتعرض الدولة لهجمات إلكترونية على مصارفها وشبكات الطاقة والاتصالات قبل المواجهة العسكرية أو بالتزامن معها، وتترافق هذه الهجمات مع حملات تضليل تستهدف إثارة الذعر وتقويض الثقة بالمؤسسات. ويضيف سوء استخدام الذكاء الاصطناعي بُعدًا آخر، إذ تُوظف قدراته في تسريع الهجمات الإلكترونية، واكتشاف الثغرات، وتوسيع الاحتيال، وإنتاج صور ومقاطع وأخبار زائفة يصعب تمييزها من الحقيقة، كما أن إدخاله في إدارة قطاعات حيوية من دون اختبارات موثوقة ورقابة بشرية ومساءلة واضحة قد يحول أخطاء الأنظمة إلى مخاطر واسعة. والخطر هنا لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في الجهات التي تطورها وتستخدمها من دون ضوابط كافية، وتحولها من أداة لخدمة الإنسان إلى وسيلة للتضليل والاختراق وإلحاق الضرر به.

وتكمن الخطورة الأكبر في تزامن هذه العوامل، فقد تتعرض دولة لهجوم إلكتروني يعطل الكهرباء، بينما تواجه جفافًا يضغط على موارد المياه والطاقة، وتتعطل في الوقت نفسه إمدادات الغذاء والدواء بسبب حرب أو إغلاق ممرات تجارية. وإذا رافق ذلك تضليل رقمي واسع، فقد تفقد المؤسسات قدرتها على الاستجابة، ويتحول خلل محدود إلى أزمة متسلسلة تتجاوز إمكانات الاحتواء، وهنا لا يعود الخطر في كل عامل بمفرده، بل في تفاعل الحروب والكوارث الطبيعية وسوء استخدام التكنولوجيا، وفي الجهات التي تصنع هذه المخاطر أو تضاعفها باستهتارها بمصير المجتمعات.

وتأتي هذه المخاطر في ظل توترات دولية متصاعدة، من الحرب الروسية الأوكرانية والتعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ، إلى الاتهامات الموجهة إلى كوريا الشمالية بتنفيذ عمليات سرقة إلكترونية واسعة، والتوترات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط، ففي بيئة كهذه، تتسع أهمية الحرب الهجينة، ويصبح أمن البنية التحتية والفضاء الرقمي جزءًا من حسابات الصراع بين القوى الكبرى، فيما تتحمل المجتمعات المدنية جانبًا كبيرًا من النتائج.

وقد أدرك الاتحاد الأوروبي جانبًا من هذه المخاطر عندما أطلق استراتيجية اتحاد الاستعداد في آذار 2025، داعيًا إلى تعزيز قدرة السكان على الاكتفاء الذاتي لمدة لا تقل عن 72 ساعة في حالات الطوارئ، وتأمين الخدمات الحيوية ومخزونات المواد الأساسية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية. لكن الاستعداد لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة الأفراد بتخزين المياه والغذاء، بل يجب أن يتحول إلى سياسة وطنية تحمي شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمصارف، وتؤمن مخزونات استراتيجية من الوقود والغذاء والأدوية والأسمدة، وتحافظ على تنوع البذور، وتوفر مصادر بديلة للطاقة والاتصال، وتضمن استمرار عمل المستشفيات ومرافق حفظ الأدوية واللقاحات والدم، وتضع ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية. وعلى المستوى الأسري، يمثل الاحتفاظ بقدر معقول من المياه والغذاء والأدوية والاحتياجات الضرورية لمدة أسبوع، حيث تسمح الإمكانات، إجراءً احترازيًا مفيدًا.

إن ما يدفع العالم نحو حافة الانهيار ليس قدرًا محتومًا ولا سلسلة مصادفات، بل حصيلة خيارات بشرية وسياسات وممارسات تتحمل مسؤوليتها دول وقوى ومؤسسات تقدم القوة والهيمنة والربح على أمن الإنسان. فالحروب التي تُشعل وتُمدد، واستهداف البنية التحتية المدنية، واستنزاف البيئة والموارد، وإهمال الاستعداد للكوارث، وتوظيف التكنولوجيا في الاختراق والتضليل والتدمير، كلها وجوه لأزمة واحدة. ولم يعد مقبولًا تقديم هذه النتائج بوصفها أضرارًا جانبية أو كلفة حتمية للصراع والتقدم؛ فهناك قرارات تُتخذ، وجهات تختار، وسياسات تصنع المخاطر وتضاعفها. وإذا استمرت هذه المسارات من دون ردع ومحاسبة واستعداد حقيقي، فلن نكون أمام أزمات متفرقة، بل أمام خطر مركب يهدد مقومات الحياة ذاتها، وعندها يصبح السؤال: من يدفع العالم نحو الانهيار، ومن يتحمل مسؤولية دفعه إلى تلك الحافة؟