وعد بلفور بعد 109 أعوام: من هندسة الظلم التاريخي إلى إعادة إنتاج المأساة الفلسطينية

2026-11-05 18:58:23

تأتي ذكرى وعد بلفور هذا العام محمّلة بأسئلة التاريخ والحاضر، في ظل واقع فلسطيني بالغ القسوة، تتجدد فيه صور الاقتلاع والتهجير ومصادرة الأرض، وتتسع فيه دائرة الاعتداء على الإنسان والمكان والحقوق الوطنية. فبعد أكثر من قرن على الرسالة البريطانية التي رسمت ملامح مرحلة مفصلية في مصير فلسطين، لا تزال تداعيات ذلك القرار حاضرة في بنية الصراع، فيما تكشف الأحداث الراهنة عن استمرار سياسات تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة بالقوة، وتقويض مقومات الحياة والاستقرار لدى السكان الأصليين.

في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية إعلان بلفور، متعهدة بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في خطوة اتخذت بشأن أرض مأهولة بشعب له وجوده التاريخي والاجتماعي والسياسي، من دون الاحتكام إلى إرادته أو احترام حقه في تقرير مستقبله. ومن منظور تاريخي وسياسي، مثّل الإعلان تعبيراً واضحاً عن منطق استعماري قاهر تعامل مع فلسطين باعتبارها مجالاً لإعادة ترتيب المصالح الدولية، وتجاهل حقوق أهلها، ثم أُدرج لاحقاً في صك الانتداب البريطاني، ليصبح جزءاً من الإطار السياسي الذي مهّد لتحولات عميقة في بنية المجتمع الفلسطيني ومستقبله.

لقد تجاوزت تداعيات وعد بلفور حدود الإعلان السياسي، وأخذت تتجسد في مسار تاريخي طويل من التمكين الاستعماري، والهجرة المنظمة، وانتزاع الأراضي، ثم النكبة وما رافقها من تهجير جماعي وتدمير للقرى والبلدات الفلسطينية. وتواصلت حلقات هذا المسار عبر الاحتلال العسكري والاستيطان ومصادرة الموارد وتقييد الحركة، حتى باتت القضية الفلسطينية شاهداً على واحدة من أطول حالات الحرمان من تقرير المصير في التاريخ المعاصر. ومن هنا، فإن قراءة وعد بلفور لا ينبغي أن تنحصر في استعادة وثيقة تاريخية، وإنما تستدعي تفكيك منظومة السياسات التي أنتجها ذلك الإعلان، والبحث في كيفية استمرار آثارها بأشكال وأدوات تتغير تبعاً للظروف السياسية والعسكرية.

وتتجلى خطورة المرحلة الراهنة في أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما منذ حرب الإبادة على قطاع غزة، كشف عن حجم الاستهداف الذي يطال مقومات الوجود الوطني الفلسطيني. فقد تجاوزت الحرب حدود المواجهة العسكرية إلى تدمير واسع للأحياء السكنية والبنية التحتية والمؤسسات الصحية والتعليمية، وفرض ظروف إنسانية قاسية على السكان، بالتوازي مع محاولات دفعهم نحو النزوح والاقتلاع. وفي الوقت الذي كان فيه قطاع غزة يواجه واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، كانت الضفة الغربية تشهد تصاعداً في الاقتحامات والاعتقالات وهجمات المستوطنين وعمليات الهدم والتوسع الاستيطاني، إلى جانب القيود المشددة على حركة الفلسطينيين، بما يكشف عن ترابط المسارات التي تستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني في مختلف مناطق الوطن.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة الخليل باعتبارها نموذجاً بالغ الدلالة على طبيعة التحولات الجارية في الضفة الغربية. فالمدينة التي تحمل إرثاً تاريخياً وحضارياً عميقاً، وتشكّل مركزاً سكانياً واقتصادياً واجتماعياً مهماً في جنوب فلسطين، تواجه إجراءات عسكرية تتجاوز آثارها حدود الميدان الأمني، لتطال الحياة اليومية لمئات الآلاف من المواطنين، وتنعكس على حقهم في السكن والعمل والتعليم والعلاج والتنقل.

وقد جاءت العملية العسكرية الأخيرة التي بدأت في الثالث والعشرين من تشرين الأول الماضي لتكشف عن مستوى غير مسبوق من التضييق على المدينة ومحيطها. فقد أُغلقت مداخل الخليل والطرق الواصلة بين أحيائها وبلداتها، وفُرضت قيود واسعة على حركة المواطنين، وشهدت مناطق الجلدة وعين دير بحة عمليات إخلاء قسري لعائلات من منازلها، ترافقت مع اقتحام البيوت وتفتيشها واحتجاز السكان والتحقيق معهم، وهدم منشآت ومحال تجارية، وإلحاق أضرار بالممتلكات والمرافق المدنية. كما امتدت الإجراءات إلى بلدات وقرى ومخيمات المحافظة، في مشهد جعل الجغرافيا الفلسطينية محاصرة بسلسلة من الحواجز والإغلاقات والبوابات العسكرية.

إن خطورة هذه الإجراءات تكمن في طبيعة آثارها الجماعية؛ فإغلاق الطرق لا يعني تعطيل حركة المركبات فحسب، وإنما يعني عزل العائلات عن مصادر رزقها، وحرمان المرضى من الوصول المنتظم إلى المرافق الصحية، وتعطيل العملية التعليمية، وإرباك حركة العمال والتجار والطلبة، وتحويل التنقل بين الأحياء والبلدات إلى رحلة محفوفة بالانتظار والتفتيش والإذلال. وعندما تتحول الحواجز العسكرية إلى أدوات دائمة للتحكم في حياة السكان، فإنها تصبح جزءاً من واقع مكاني مفروض، يعيد توزيع الحركة والفرص والقدرة على الوصول إلى الخدمات وفق اعتبارات القوة والسيطرة.

وتتضاعف خطورة المشهد عندما تُجبر العائلات على مغادرة منازلها، وتُترك الأحياء السكنية تحت وطأة الاقتحام والتفتيش والتخريب، ثم يُربط حق السكان في العودة إلى بيوتهم بشروط يفرضها الاحتلال. فالمسألة هنا تتصل بأحد أكثر الحقوق الإنسانية جوهرية، وهو حق الإنسان في المسكن والأمان والاستقرار. كما أن إفراغ الأحياء من سكانها، وإحداث تغييرات قسرية في واقعها العمراني والاجتماعي، يثير مخاوف جدية من تكريس أنماط من التهجير القسري والتطهير العرقي، وهي مخاوف تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً ومساءلة قانونية وفق قواعد القانون الدولي.

ومن المهم التأكيد أن تحميل السكان المدنيين تبعات أفعال أفراد، ومعاقبة مجتمع كامل من خلال الحصار والإغلاق والتنكيل والحرمان من الخدمات، يمثل نهجاً يتعارض مع القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، التي تحظر العقوبات الجماعية وتفرض حماية المدنيين في جميع الظروف. ولا يمكن تحويل الحياة اليومية للناس إلى مجال للعقاب، أو التعامل مع الأحياء السكنية باعتبارها ساحات مفتوحة لإعادة تشكيل واقعها بالقوة.

والخليل، في هذا المشهد، ليست مجرد مدينة تتعرض لإجراءات عسكرية مؤقتة؛ إنها مدينة يجري استهداف نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والمكاني. فحين تُغلق مداخلها، وتتوقف حركة أسواقها، وتُعزل أحياؤها، وتُهجّر عائلات من منازلها، تتجاوز الخسارة حدود الممتلكات لتصل إلى علاقة الإنسان بمكانه، وإلى قدرة المجتمع على مواصلة حياته الطبيعية. وهذا ما يجعل ما يجري قضية وطنية وإنسانية تستدعي اهتماماً فلسطينياً ودولياً يتناسب مع حجم التداعيات.

وتكشف هذه الوقائع أيضاً عن خطورة تحويل الاستيطان من مشروع للسيطرة على الأرض إلى منظومة متكاملة للتحكم في المجال الجغرافي الفلسطيني؛ فالحواجز والبوابات العسكرية والطرق الالتفافية ومناطق الإغلاق، إلى جانب التوسع الاستيطاني، تسهم في تفتيت التواصل بين التجمعات السكانية، وإضعاف الروابط الاقتصادية والاجتماعية، وفرض واقع من الجزر الجغرافية المنفصلة. وبهذا المعنى، تصبح السيطرة على المكان وسيلة للتأثير في مستقبل السكان، وتقويض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقادرة على ممارسة سيادتها.

ومن موقع القراءة التاريخية، تبدو المقارنة بين وعد بلفور والواقع الراهن ضرورية لفهم امتداد السياسات الاستعمارية، مع ضرورة التمييز بين السياقات والأدوات والمراحل التاريخية المختلفة. ففي عام 1917 جرى التعامل مع مستقبل فلسطين من خلال قرار دولي بريطاني لم يأخذ إرادة شعبها في الحسبان، أما اليوم فتتجسد نتائج ذلك المسار في استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير وفرض الوقائع على الأرض، وسط عجز دولي عن ضمان تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وحماية الحقوق الفلسطينية. لقد تغيرت الأدوات، وتبدلت أشكال السيطرة، لكن جوهر الأزمة ما زال مرتبطاً بحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية والسيادة على أرضه.

ومن هنا، تبرز مسؤولية بريطانيا التاريخية والسياسية والأخلاقية، باعتبارها الدولة التي أصدرت الإعلان وأسهمت سياساتها اللاحقة في تأسيس مرحلة مفصلية من تاريخ المأساة الفلسطينية. كما أن اعترافها بدولة فلسطين ينبغي أن يتجاوز قيمته الرمزية إلى موقف سياسي وقانوني فاعل، يترجم إلى خطوات عملية تدعم إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحماية المدنيين، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي المقابل، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات القلق والإدانة؛ إذ إن استمرار الانتهاكات من دون محاسبة يكرس مناخ الإفلات من العقاب، ويمنح سياسات القوة فرصة لإعادة إنتاج نفسها. والمطلوب تحرك جاد يضمن المساءلة عن الجرائم المرتكبة، ويوفر الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ويضع حداً لسياسات التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والعقوبات الجماعية، ويحفظ حق الفلسطينيين في العيش الآمن والكريم على أرضهم.

إن الخليل اليوم بحاجة إلى حضور سياسي وإعلامي وحقوقي يتناسب مع حجم ما تتعرض له. فالمطلوب نقل تفاصيل معاناة سكانها إلى الرأي العام الدولي، وتوثيق آثار الاقتحامات والإغلاقات والتهجير على العائلات والطلبة والمرضى والعمال والتجار، وتوحيد الجهود الرسمية والمجتمعية لمساندة المتضررين، وحماية الوجود الفلسطيني في الأحياء والمناطق المستهدفة. كما أن الدفاع عن الخليل هو دفاع عن وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وعن حق المدن والقرى والمخيمات في البقاء والتواصل والحياة بعيداً عن منظومة الحصار والتقطيع المكاني.

وبعد مئة وتسعة أعوام على وعد بلفور، تظل الحقيقة التاريخية الأهم أن القرارات الاستعمارية، مهما امتلكت من قوة ونفوذ، لا تستطيع إلغاء حق شعب في وطنه، ولا محو ذاكرته أو انتزاع ارتباطه بأرضه. ففلسطين ليست مساحة جغرافية قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادة القوى المتنفذة، وإنما وطن له شعب وتاريخ وذاكرة وحقوق راسخة.

إن وعد بلفور يظل شاهداً على مسؤولية تاريخية لم تُعالج نتائجها، فيما تكشف الوقائع الراهنة أن العدالة المؤجلة تترك جراحها مفتوحة، وتسمح باستمرار المأساة بأشكال جديدة. ومع ذلك، يبقى الشعب الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقوقه الوطنية، حاملاً ذاكرته من جيل إلى جيل، ومواصلاً نضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير.

فالتاريخ الذي حاولوا كتابته على حساب فلسطين، ما زال الفلسطينيون يكتبون فصوله بإرادة البقاء، وبحق لا تمنحه القرارات ولا تسلبه القوة: حقهم في وطنهم.