لبنان والمفاوضات مع إسرائيل: نحو انهيار المسار التفاوضي وتصعيد عسكري.
قد يفتح مشروع المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية بشأن ترتيبات الحدود اللبنانية – الفلسطينية ، والذي يتسم بانحياز عميق من الولايات المتحدة لإسرائيل ، واختلال واضح في التوازن، مرحلة جديدة من النزاع إذا اعتُمد كإطار ملزم دون إدخال تعديلات جوهرية عليه.
فمن خلال جعل المطالب الأمنية الإسرائيلية، بما فيها المنطقة العازلة الموسعة وحرية العمل الجوي والاستخباري داخل الأراضي اللبنانية، الأساس الحصري لأي اتفاق، يهدد هذا النص بتقويض أي تسوية مقبولة من الطرفين، عبر تفضيل مقاربة أمنية أحادية على حساب سيادة لبنان ووحدة أراضيه وحق شعبه في الحماية وفق القانون الدولي.
وهذا الاختلال تحديداً هو ما يفسر الموقف المتحفظ لجانب كبيرمن القوى السياسية اللبنانية، التي تعتبر أن القبول بهذه الصيغة يعني شرعنة انتهاك دائم للسيادة تحت غطاء ترتيبات أمنية. ومن شأن مثل هذا المسار أن يحرم أي اتفاق مستقبلي من الإجماع الداخلي اللبناني، وهو شرط أساسي لاستدامته. وهنا لابد من التذكير بأن أي ورقة تفاوضية، مهما بلغت أهميتها الدبلوماسية، لا تكفي لفرض تسوية دائمة. فقد تغير إطار المناقشات وتؤثر في موازين القوى السياسية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل اتفاق يحظى بقبول وطني لبناني، ولا أن تمحو الأسباب العميقة لنزاع يتعلق بسيادة بلد مستقل ، واحتلال لا يزال مستمراً لأجزاء منه.
وفي ظل استمرار الانسداد السياسي وعدم تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته، سيجعل هذا التطور احتواء التوترات أكثر صعوبة، وقد يسهم في تصعيد الأعمال العدائية على طول الخط الأزرق.
ومن هنا يجدر القول إن مسار التطورات سيتوقف إلى حد كبير على القرارات الدبلوماسية المقبلة، وقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على إطار تفاوضي يظل الأطراف مستعدين للمشاركة فيه.غير أن السؤال المطروح يتمثل في مدى استعداد واشنطن للضعط على اسرائيل لتليين موقفها، قبل بلوغ حدود هامش تحركها الدبلوماسي، في سياق سياسة تصب في خدمة تكريس الأمر الواقع الأمني الإسرائيلي.
أما السيناريو الأكثر إثارة للقلق فهو إقتراب موعد انتهاء مهام قوات اليونفيل في جنوب لبنان . ما يفاقم مخاطر التصعيد بصورة كبيرة. وأحتمال قيام اسرائيل بعملية عسكرية واسعة النطاق، الامر الذي من شأنه أن يقوض ليس فرص الاستقرار في الجنوب فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى تفاقم التوترات ومخاطر عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. خصوصاً في ظل غياب الضمانات الدولية وتهميش تطبيق القرارات الدولية. وأكثر ما يخشى أن يتحول النزاع القائم حالياً إلى نزاع طويل الامد . فقد تسعى تل أبيب إلى استغلال إنسحاب قوات الطوارئ الدولية ، لتوسيع نطاق عملياتها وسيطرتها النارية إلى ما وراء الخط الأزرق، باتجاه مناطق جنوب الليطاني، رغم استخدامها المكثف للطائرات المسيرة والتفوق الجوي، وذلك في ظل حملة إعلامية وديبلوماسية تهدف إلى تحميل الجانب اللبناني مسؤولية وصول المسار التفاوضي إلى طريق مسدود. غير أن مثل هذا التفسير، الذي يتسم في أقل تقدير بالمغالطة والتحيز، من شأنه أن يحجب الطبيعة المجحفة بعمق لمسار يستند إلى تنازلات محددة سلفاً من طرف واحد، ولا يترك مجالاً يُذكر لمفاوضات منفتحة حقاً ولتسوية متوازنة. وإذا أُقدمت إسرائيل على مثل هذه العملية، فمن المرجح أن تواجه رداً من المقاومة، وأن تتفاقم التوترات على الحدود، فيما تتزايد مخاطر عدم الاستقرار الإقليمي، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب إنسانية وأمنية خطيرة على لبنان بأكمله.
في نهاية المطاف، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن تتحلى الولايات المتحدة، بصفتها الوسيط الأساسي، بالحكمة والواقعية، وأن كانت التجارب السابقة لاتبشر بالخير ، وأن تقبل تعديلات جوهرية من شأنها تصحيح اختلال التوازن العميق في هذه المفاوضات المثيرة للاعتراض، عند قسم كبير من اللبنانيين.
نبيل المقدم/كاتب لبناني