العالم ينتخب ويغيّر ... ونحن نؤجل وننتظر

2026-11-08 09:48:44

خلال أسبوعين، رسمت صناديق الاقتراع في واشنطن وبرازيليا وفي الكنيست موازين قوة جديدة، بينما مر على الفلسطينيين عقدان كاملان بلا انتخابات تشريعية. في هذه المقالة أسأل: لماذا تحول التأجيل عندنا إلى واقع دائم ؟ ولماذا يبقى السكوت عن الانقسام هو ما يمنحه عمراً؟

في الثالث من تشرين الثاني / نوفمبر 2026 ، أدلى الأميركيون بأصواتهم، فأعادوا الديمقراطيين إلى مجلسي النواب والشيوخ بعد عامين من سيطرة الجمهوريين. وقبل ذلك بنحو أسبوع، ارتفع تمثيل القوائم العربية في الكنيست الإسرائيلي من عشرة مقاعد إلى تسعة عشر. وقبلها بأيام قليلة، حسم الناخب البرازيلي منافسة رئاسية شديدة الاستقطاب بفارق ثلاث نقاط ونصف فقط.

ثلاث انتخابات، ثلاث بيئات سياسية مختلفة، ودرس واحد حين يملك الناس أداة مؤسسية للتغيير، يستخدمونها.

أما نحن الفلسطينيين، فآخر انتخابات رئاسية جرت عام 2005، وآخر انتخابات تشريعية عام 2006. مر عقدان كاملان دون تجديد للشرعية التشريعية، وانقضى أكثر من عقدين على آخر تفويض رئاسي.

والمفارقة ليست في الأرقام وحدها. المفارقة أننا نحتفل بقدرة الصوت الانتخابي على إحداث التغيير في واشنطن وبرازيليا وفي الكنيست، بينما نقبل أن يظل صوتنا نحن مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

ما فعلته الصناديق في الخارج

في الولايات المتحدة، لم يحتج الأميركيون إلى إسقاط نظام ولا إلى انتظار انتهاء ولاية. استخدموا أصواتهم فغيروا تركيبة السلطة التشريعية، وفتحوا المجال أمام رقابة برلمانية أوسع على الإدارة. ووصول عبد السيد إلى مجلس الشيوخ عن ميشيغان، بعد عام على فوز زهران ممداني بعمادة نيويورك، ليس حدثاً هامشياً. إنه دليل على أن العملية الانتخابية قادرة على فتح أبواب لم تكن مفتوحة، وأن التمثيل السياسي يتسع حين يتسع التصويت.

وفي البرازيل، حسم أكثر من مئة مليون ناخب منافسة بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل البلاد. لم تلغ الانتخابات الخلاف، ولم تحل كل المشكلات، لكنها منحت المجتمع وسيلة مؤسسية لإدارة الصراع وتجديد التفويض.

وفي إسرائيل، ارتفعت مشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين، وحصلت القوائم العربية على تسعة عشر مقعداً في برلمان يحتاج إلى واحد وستين لتشكيل أغلبية. ولا أستشهد بهذا المثال إعجاباً بمؤسسات دولة الاحتلال، بل لأن أهلنا في الداخل، وهم يعيشون تمييزاً بنيوياً، أثبتوا أن الصوت المنظم يفرض نفسه على الحسابات حتى في أصعب البيئات، وإن بقيت عقبات عميقة أمام ترجمة هذا التمثيل إلى نفوذ فعلي.

الدرس المشترك واضح: الانتخابات لا تصنع المعجزات، لكنها تمنح الشعوب أداة للمحاسبة والتغيير. ومن لا يملك هذه الأداة، لا يملك حتى حق الاعتراض المنظم.

كنا على بعد أسابيع من الصندوق

ولم يكن غياب الانتخابات عندنا قدراً لا مفرّ منه. ففي عام 2021، صدرت المراسيم، وفتح باب التسجيل، وسجل أكثر من 90% من أصحاب حق الاقتراع، وتقدمت عشرات القوائم بأسماء جديدة وشابة. كانت الانتخابات التشريعية على بعد أسابيع، والرئاسية على بعد أشهر.

ثم جاء قرار الرئيس محمود عباس في نهاية نيسان 2021 بتأجيلها، بذريعة رفض إسرائيل السماح بإجرائها في القدس. لا أحد يجادل في أن القدس خط أحمر، وأن التصويت فيها حق لا تنازل عنه. لكن السؤال الذي لم يُجب عنه حتى اليوم لماذا تحوّل التأجيل إلى إلغاء؟ ولماذا لم نجعل من صندوق الاقتراع في القدس معركة مواجهة بدلاً من أن يكون سبباً للانسحاب؟

حين تصبح القدس ذريعة للتأجيل، فإننا نمنح الاحتلال حق النقض على ديمقراطيتنا، ونعاقب أنفسنا مرتين مرة بغياب الانتخابات، ومرة بترك القدس دون أن نخوض من أجلها أي معركة فعلية.

هنا يبدأ السؤال المؤلم، والإجابة عنه لا تحتمل المجاملة.

لماذا لا نستطيع نحن؟

المشكلة ليست فقط في رئيس يتولى السلطة منذ عام 2005، ولا في مجلس تشريعي معطل منذ 2006، ولا في القدس وحدها، ولا في الاحتلال وحده. كل هذه عوامل حقيقية، لكنها ليست السبب الجذري الذي يجعل التأجيل واقعاً دائماً بدلاً من أن يكون تأخيراً مؤقتاً.

السبب الجذري هو الانقسام الفلسطيني.

ليس الانقسام كما يُقدِّم في الخطابات «خلافاً سياسياً مؤسفاً» يمكن تجاوزه بالحوار، بل كما هو في الواقع قطاعان جغرافيان، وسلطتان سياسيتان، وأجهزة أمنية منفصلة، وأنظمة تعليم وقضاء وإعلام مختلفة، وترتيبات اقتصادية وأمنية قائمة على استمرار الوضع الراهن.

وهنا يجب أن تقال الحقيقة كاملة : السكوت الفلسطيني عن الانقسام هو ما يمنحه عمراً. لا الرئاسة وحدها مسؤولة، ولا حماس وحدها، ولا الفصائل وحدها. المسؤولية تبدأ من القيادات التي أفرزت الانقسام وأدامته، وتمتد إلى مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات والمثقفين الذين اعتادوا الحديث عن كل شيء إلا عن هذا الجرح المفتوح.

وحين نهاجم ازدواجية المعايير الغربية وعجز العالم العربي، فإن أضعف نقطة في حجتنا أن الطرف الفلسطيني نفسه منقسم، وسيستخدم أي خصم سياسي ذلك ضد كل مطالبنا. وهذا ليس تبريراً للاحتلال ولا انتقاصاً من حقنا، بل اعتراف بأن الوحدة ليست شرطاً أخلاقياً فقط، بل شرط استراتيجي لتحويل التضامن الدولي إلى نفوذ فعلي.

الانتخابات طريق إلى الوحدة، لا جائزة بعدها

يقول كثيرون لا انتخابات قبل إنهاء الانقسام. ويبدو هذا منطقياً، لكنه في الواقع وصفة لتأجيل أبدي. فمن يجرب الانتخابات في الضفة وحدها يكرس الفصل، ومن يجربها في غزة وحدها يكرس الفصل، ومن يؤجلها بانتظار الوحدة يمنح التأجيل غطاء وطنياً.

والحقيقة أن تجربة 2021 تؤكد ذلك: كان الاتفاق على موعد الانتخابات من أقرب النقاط التي وصلنا إليها من المصالحة منذ 2007 فالانتخابات ليست جائزة تمنح بعد إنهاء الانقسام، بل أداة لإنهائه. المطلوب اتفاق وطني يحدد موعداً ملزماً لا يملك أي طرف منفرداً حق إلغائه، وضمانات للقبول بالنتائج، وآلية لإدارة مرحلة انتقالية تشمل غزة والضفة والقدس معاً.

مسؤولية الرئاسة : حين تطول السنوات وتغيب المحاسبة

لا يمكن الحديث عن غياب الانتخابات دون التوقف عند مسؤولية الرئيس محمود عباس، الذي يتولى الرئاسة منذ 2005 دون انتخابات جديدة، والذي وقع بنفسه قرار التأجيل الأخير.

تحوّلت سنوات التأجيل إلى واقع سياسي طويل الأمد، تركزت خلاله صلاحيات واسعة في مؤسسة الرئاسة، وتراجع دور المؤسسات المنتخبة، وغابت الرقابة البرلمانية الفاعلة. وفي غياب مجلس تشريعي منتخب تصبح قرارات التعيين والإعفاء وإعادة تشكيل المؤسسات أكثر حاجة إلى الشفافية والرقابة المستقلة، لا أقل.

ولا يمكن تحميل الرئيس وحده مسؤولية الانقسام، فحماس والفصائل تتحمل مسؤوليات متفاوتة عن استمراره. لكن موقع الرئاسة يفرض مسؤولية خاصة عن المبادرة إلى إنهائه، وعن تقديم مسار واضح وقابل للتنفيذ لتجديد الشرعية الوطنية.

والأمر نفسه ينطبق على غزة: لا يجوز استخدام الظروف الكارثية فيها ذريعة دائمة لحرمان أهلها من التمثيل السياسي. المطلوب ليس انتخابات شكلية تجدد الوجوه ذاتها، بل عملية ديمقراطية حقيقية تتيح المنافسة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة.

القدس : الذريعة التي تركت لمصيرها

المفارقة الأقسى أن القدس، التي أجلت الانتخابات باسمها، هي نفسها الضحية الأولى لغياب مرجعية وطنية جامعة.

فالمدينة تتعرض لأسرلة وتهويد متسارعين مصادرة أراض، وهدم منازل، وتقييد بناء، وإغلاق مؤسسات، ومناهج تراقب وتُعدّل، وتضييق على وكالة الغوث، وسياسات إسكانية وصحية وتعليمية تدفع السكان إلى هجرة قسرية. ويجري كل ذلك في ظل دعم شحيح من ميزانية السلطة للمؤسسات المقدسية، وفي ظل صمت شبه كامل: لا مرجعية موحدة، ولا تنسيق بين الجهات التي تدعي تمثيل المدينة، ولا رؤية واضحة لحشد الموارد.

والنتيجة أن القدس تُدار بمنطق البقاء اليومي لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي، بينما ترفع الشعارات عن عروبتها. وإعادة الاعتبار لها تبدأ ببناء مرجعية مؤسسية فلسطينية موحدة للمدينة تنسق بين التعليم والصحة والإسكان والثقافة، وتوفر غطاء سياسياً وقانونياً لمؤسساتها.

فالقدس ليست ملفاً يمكن تأجيله، ولا ذريعة يمكن استخدامها لتأجيل الانتخابات. إنها الاختبار الحقيقي لما إذا كنا جادين في بناء دولة ومؤسسات.

الثمن الذي ندفعه كل يوم

لقد دفعنا ثمناً باهظاً للانقسام. غزة معزولة عن الضفة سياسياً وجغرافياً، والضفة تتعرض لمزيد من التجزئة والاستيطان والحواجز، والقدس تدفع يوماً بعد يوم بعيداً عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي. وفي موسم الزيتون يواجه المزارعون اعتداءات المستوطنين على أرضهم ورزقهم في ظل غياب الحماية الفاعلة.

ومع ذلك، نجد أنفسنا أحياناً منشغلين بالمهرجانات والاحتفالات والصور التذكارية، وكأن حياتنا السياسية تسير بصورة طبيعية. لست ضد الفرح ولا ضد الثقافة، لكن لا يجوز أن تصبح الاحتفالات بديلاً عن العمل الوطني. فما قيمة أن نحتفل بمواسمنا إذا كنا نفقد الأرض التي تحتضنها؟ وما قيمة أن نرفع شعارات الحرية إذا لم نمنح المواطن حقه في اختيار من يمثله ؟

متى نستعيد صوتنا ؟

لقد استطاعت غزة، رغم كل ما أصابها ، أن تضع فلسطين في ضمير العالم. خرج طلاب في جامعات أميركية وأوروبية يخاطرون بمستقبلهم الأكاديمي، وامتلأت الشوارع بمطالب وقف الحرب والمحاسبة، ودخلت القضية الفلسطينية نقاشات انتخابية وقاعات برلمانية لم تكن حاضرة فيها بهذه الكثافة من قبل.

لكن الضمير وحده لا يوقف الحروب والتعاطف وحده لا ينهي الاحتلال والانتخابات في الدول الأخرى لا تصنع لنا مشروعنا الوطني. التغيير الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات مسؤولة، وقيادة تمتلك الشرعية والرؤية والشجاعة.

وربما يكون الدرس الأهم من انتخابات 2026 أن المشاركة السياسية قادرة على إعادة ترتيب موازين القوة. فالصوت الذي لا يُستخدم يغيب عن الحسابات، أما الصوت الذي يصل إلى صندوق الاقتراع فيصبح جزءا من معادلة القرار.

ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى استعادة القاعدة الديمقراطية البسيطة التي تقوم عليها شرعية الحكم مجلس تشريعي منتخب يعيد الاعتبار للرقابة والمساءلة وانتخابات رئاسية تجدد الشرعية وانتخابات محلية منتظمة تعزز مشاركة الناس في إدارة شؤونهم اليومية، مع ضمانات حقيقية للنزاهة وحرية الترشح والتعبير، ومشاركة النساء والشباب والكفاءات المستقلة.

فالصمود لا يعني أن نقبل بكل شيء. والوحدة لا تعني أن نصمت عن الأخطاء. والوطنية لا تعني أن نعفي المسؤولين من المحاسبة.

لقد انتظر الفلسطينيون طويلاً، ودفعوا أثماناً باهظة، وقدموا من التضحيات ما يكفي لكتابة تاريخ شعوب بأكملها.

أما آن الأوان أن نعيد للمواطن الفلسطيني حقه في أن يقول كلمته، وأن نبدأ بمواجهة السكوت عن الانقسام، قبل أن نطالب العالم بأن يسمع صوتنا ؟