المسلسلات التركية صورة جديدة "تغزو" العقول
2011-05-10 13:22:00
راية نيوز: في بدايات القرن الماضي، وبعد أربعة عصور من الاختلالات وما رافقتها من صراعات إقليمية وحروب دولية، أدت الى تقاسم الدول الكبرى العالم، لمناطق نفوذ وحصص جغرافية، خرجت الإمبراطورية العثمانية، سياسياً وعسكرياً وإدارياً من بوابات العرب الكبرى، لتعود إليهم قبل حوالى أربع سنوات، تركيا حديثة ومعاصرة، من نوافذ الفن والثقافة، وتحديداً من خلال دراما تلفزيونية طويلة، راقطة ومؤثرة، سرعان ما سرقت إليها قلوب المشاهدين وعيونهم وأحاسيسهم كباراً وصغاراً، تشدهم الى قصص عاطفية، رقيقة كأحلام الصبايا العاشقات، وأوهام سعادة أو شقاء، يتناقضان الى حد بعيد مع الواقع العربي المعاش.
واقع الحال، ظاهرة الدراما التركية الحديثة بدأت غزواً ناشطاً وفاعلاً للجمهور العربي، مستندة في ذلك الى القرب الجغرافي، والى التقارب الديني والتقليدي المتوارث في الأفكار والمفاهيم والعادات. وزاد الأمر نجاحاً في خروج المسلسل التركي من دائرته الضيقة الى الساحات الخارجية الواسعة، اعتماد الدوبلاج بأصوات ممثلين عرب، خصوصاً من سوريا، وباللهجة الشامية المحببة تحديداً التي حققت في السنوات الأخيرة نجاحات ملفتة في عدد من المسلسلات قد يكون أهمها "باب الحارة" بأجزائه الخمس.
لكن الملفت أن المسلسل التركي الأقرب الى المزاج الشعبي العربي، لم يكن السباق الى شاشات المنطقة. فقد سبقه ومنذ بدء البت التلفزيوني العربي، المسلسل الأميركي بحلقات قد تتعدى المئة مثل "دالاس"، "بونانزا"، "الجميلة والوحش"، "أنت أو لا أحد"... ومع بداية الألفية الثالثة، غزت المسلسلات المكسيكية والبرازيلية وما شابهها من أميركا اللاتينية المشاهد العربي وعواطفه مثل "ماريا مارسيدس"، "من أجل عينيها"، و"كساندرا".... ليستقر الوضع في الظرف الراهن على المسلسل التركي من خلال مسلسلات مثل "سنوات الضياع"، "نور"، "دموع الورد"، و"وادي الذئاب" وكثير غيرها. وبفعل هذا النجاح غير المسبوق لهذه الدراما "الشرقية"، إذا جاز وصفها لتقاربها مع البيئة العربية وناسها، أقدمت مجموعة "أم. بي. سي" الى افتتاح قناة خاصة "أم. بي. سي. بلاس" لعرض مسلسلات متواصلة تصفها إدارتها بـ "الجديدة والرخيصة والقادرة على تأمين إعلانات جيدة بأسعار مرتفعة".
واتبعت الأسلوب ذاته شاشات عربية أخرى، الأمر الذي يساهم في انتشار المسلسل التركي بشكل تصاعدي في السنوات الأربع الأخيرة، وما يدفع الى التساؤل: كيف لهذه البلاد التي عادت العرب عصوراً طويلة، أن تعود ظاهرة ومتوّجة الى الأمة العربية؟ وأيضاً هل تراجع المسلسل العربي الى الحد الذي رماه الى الدرجة الثانية أو الثالثة لدى المشاهدين؟
الواضح حتى الآن، وطالما العائلات العربية في المدن والقرى والأرياف مستمرة في حجز أماكنها أمام الشاشات الصغيرة لمشاهدة الدراما التركية، فإن "الغزو العثماني" الحضاري عاد الى الواجهة ليحقق نجاحات "عربية" غير مسبوقة في فترة قياسية لم تتعد الأربعة أعوام. الصحيفة التركية "حرييت" (حريات) وصفتها بـ "الحمى التي أصابت الشاشات العربية وجمهورها على السواء. ولفتت في أحد تقاريرها الاقتصادية حول وضع الصناعة المشهدية التركية، الى ما يزيد عن 22 دولة تستورد مسلسلات أنقرة، و18 منها حطمت الأرقام القياسية، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، في نسبة المشاهدة العربية، وحققت خمسة ملايين دولار أرباحاً صافية في السنة الواحدة.
وفي تقرير مماثل لمديرية التسويق والعلاقات العامة في محطة "أم. بي. سي. بلاس"، أكدت فيه أن 80 مليون عربي ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة عشرة، تابعوا مسلسلي "نور" و"سنوات الضياع"، وبذلك لا في الأفكار ولا في الطروحات. فضلاً عن ذلك تتميز هذه الدراما بخلوها من المشاهد المخلة بالآداب العامة.. وهي على ما تقدمه من جديد للمشاهد العربي من خلال وجوه غير مستهلكة، تتناول العديد من قضاياه العاطفية والوجدانية والحياتية. وفي هذا الإطار، ذكرت بعض صحف أنقرة واسطنبول، أن الأسباب الكامنة خلف هذا النجاح يكمن في الملتقى العربي نفسه "الذي بات مقلداً ومحاكياً لكل ما تعرفه هذه الشاشات، بلا أدنى اهتمام لمردود هذا التقليد "الأعمى" على الصعيد الاجتماعي والنفسي، أكان سلبياً أم إيجابياً. من جهتها كشفت الدكتورة فهمية شرف الدين الاختصاصية في علم الاجتماع الى سلبيات "تركية" انعكست مشهدياً على المستهلك العربي وبما لا يتلاءم مع واقعه وتقاليده وأعرافه. وخير مثال على ذلك في نظرها "سرعة دخول الموضة التركية الأوساط العربية في الأزياء والتسريحات والماكياجات وبعض أنواع الحلى والسكاكر والمأكولات. فبرزت في الأسواق أزياء "لميس" و"نور"، كما أقدمت بعض الشركات على طبع صور نجوم أتراك على الملابس الرجالية والنسائية. وبهذا المعنى تحوّل نجوم المسلسلات بين ليلة وضحاها الى نجوم سلع استهلاكية، كما حصل "مع فهد" الذي تعاقدت معه احدى شركات انتاج السيراميك المصرية لتمثيلها في اعلاناتها، أثناء حضوره كضيف شرف في مهرجان القاهرة السينمائي 2009.
في المقابل، تصدى مفتي الديار السعودية رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ لهذه الظاهرة، ووصف "نور" بـ "المسلسل الإجرامي، الخبيث والمفسد والمؤذي بما فيه من شر وبلاء وهدم للأخلاق ومحاربة الفضائل". كل ذلك لا يلغي النجاح الساحق الذي جسدته المسلسلات التركية، خصوصاً بعد دبلجتها باللهجة الشامية جعلت منها أنماطاً فنية مقبولة في مجتمعات عربية تعاني من "عتمات" مشهدية كثيرة. وخصوصاً كما ترى الدكتورة فهمية شرف الدين "طبيعة الحوار الجنسي الذي يفتقده المسلسل العرباوي يتناقض مع مبادئ المجتمع العربي وقيمه وأفكاره". لافتة في الوقت نفسه الى أن المسلسلات التركية "قد وجدت طريقها ممهدة الى المشاهد العربي لغياب الدراما العربية المميزة، التي فرضت وجودها في بدايات الألفية الثالثة، بصرياً وتقنياً وتصويراً وإخراجاً، الأمر الذي بتنا نفتقده اليوم. على الرغم من خلو هذه الصورة الحلوة من مضمون حقيقي على أزمات وقضايا يعاني منها الإنسان العربي معيشياً ووطنياً وقومياً".
واقع الحال، ظاهرة الدراما التركية الحديثة بدأت غزواً ناشطاً وفاعلاً للجمهور العربي، مستندة في ذلك الى القرب الجغرافي، والى التقارب الديني والتقليدي المتوارث في الأفكار والمفاهيم والعادات. وزاد الأمر نجاحاً في خروج المسلسل التركي من دائرته الضيقة الى الساحات الخارجية الواسعة، اعتماد الدوبلاج بأصوات ممثلين عرب، خصوصاً من سوريا، وباللهجة الشامية المحببة تحديداً التي حققت في السنوات الأخيرة نجاحات ملفتة في عدد من المسلسلات قد يكون أهمها "باب الحارة" بأجزائه الخمس.
لكن الملفت أن المسلسل التركي الأقرب الى المزاج الشعبي العربي، لم يكن السباق الى شاشات المنطقة. فقد سبقه ومنذ بدء البت التلفزيوني العربي، المسلسل الأميركي بحلقات قد تتعدى المئة مثل "دالاس"، "بونانزا"، "الجميلة والوحش"، "أنت أو لا أحد"... ومع بداية الألفية الثالثة، غزت المسلسلات المكسيكية والبرازيلية وما شابهها من أميركا اللاتينية المشاهد العربي وعواطفه مثل "ماريا مارسيدس"، "من أجل عينيها"، و"كساندرا".... ليستقر الوضع في الظرف الراهن على المسلسل التركي من خلال مسلسلات مثل "سنوات الضياع"، "نور"، "دموع الورد"، و"وادي الذئاب" وكثير غيرها. وبفعل هذا النجاح غير المسبوق لهذه الدراما "الشرقية"، إذا جاز وصفها لتقاربها مع البيئة العربية وناسها، أقدمت مجموعة "أم. بي. سي" الى افتتاح قناة خاصة "أم. بي. سي. بلاس" لعرض مسلسلات متواصلة تصفها إدارتها بـ "الجديدة والرخيصة والقادرة على تأمين إعلانات جيدة بأسعار مرتفعة".
واتبعت الأسلوب ذاته شاشات عربية أخرى، الأمر الذي يساهم في انتشار المسلسل التركي بشكل تصاعدي في السنوات الأربع الأخيرة، وما يدفع الى التساؤل: كيف لهذه البلاد التي عادت العرب عصوراً طويلة، أن تعود ظاهرة ومتوّجة الى الأمة العربية؟ وأيضاً هل تراجع المسلسل العربي الى الحد الذي رماه الى الدرجة الثانية أو الثالثة لدى المشاهدين؟
الواضح حتى الآن، وطالما العائلات العربية في المدن والقرى والأرياف مستمرة في حجز أماكنها أمام الشاشات الصغيرة لمشاهدة الدراما التركية، فإن "الغزو العثماني" الحضاري عاد الى الواجهة ليحقق نجاحات "عربية" غير مسبوقة في فترة قياسية لم تتعد الأربعة أعوام. الصحيفة التركية "حرييت" (حريات) وصفتها بـ "الحمى التي أصابت الشاشات العربية وجمهورها على السواء. ولفتت في أحد تقاريرها الاقتصادية حول وضع الصناعة المشهدية التركية، الى ما يزيد عن 22 دولة تستورد مسلسلات أنقرة، و18 منها حطمت الأرقام القياسية، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، في نسبة المشاهدة العربية، وحققت خمسة ملايين دولار أرباحاً صافية في السنة الواحدة.
وفي تقرير مماثل لمديرية التسويق والعلاقات العامة في محطة "أم. بي. سي. بلاس"، أكدت فيه أن 80 مليون عربي ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة عشرة، تابعوا مسلسلي "نور" و"سنوات الضياع"، وبذلك لا في الأفكار ولا في الطروحات. فضلاً عن ذلك تتميز هذه الدراما بخلوها من المشاهد المخلة بالآداب العامة.. وهي على ما تقدمه من جديد للمشاهد العربي من خلال وجوه غير مستهلكة، تتناول العديد من قضاياه العاطفية والوجدانية والحياتية. وفي هذا الإطار، ذكرت بعض صحف أنقرة واسطنبول، أن الأسباب الكامنة خلف هذا النجاح يكمن في الملتقى العربي نفسه "الذي بات مقلداً ومحاكياً لكل ما تعرفه هذه الشاشات، بلا أدنى اهتمام لمردود هذا التقليد "الأعمى" على الصعيد الاجتماعي والنفسي، أكان سلبياً أم إيجابياً. من جهتها كشفت الدكتورة فهمية شرف الدين الاختصاصية في علم الاجتماع الى سلبيات "تركية" انعكست مشهدياً على المستهلك العربي وبما لا يتلاءم مع واقعه وتقاليده وأعرافه. وخير مثال على ذلك في نظرها "سرعة دخول الموضة التركية الأوساط العربية في الأزياء والتسريحات والماكياجات وبعض أنواع الحلى والسكاكر والمأكولات. فبرزت في الأسواق أزياء "لميس" و"نور"، كما أقدمت بعض الشركات على طبع صور نجوم أتراك على الملابس الرجالية والنسائية. وبهذا المعنى تحوّل نجوم المسلسلات بين ليلة وضحاها الى نجوم سلع استهلاكية، كما حصل "مع فهد" الذي تعاقدت معه احدى شركات انتاج السيراميك المصرية لتمثيلها في اعلاناتها، أثناء حضوره كضيف شرف في مهرجان القاهرة السينمائي 2009.
في المقابل، تصدى مفتي الديار السعودية رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ لهذه الظاهرة، ووصف "نور" بـ "المسلسل الإجرامي، الخبيث والمفسد والمؤذي بما فيه من شر وبلاء وهدم للأخلاق ومحاربة الفضائل". كل ذلك لا يلغي النجاح الساحق الذي جسدته المسلسلات التركية، خصوصاً بعد دبلجتها باللهجة الشامية جعلت منها أنماطاً فنية مقبولة في مجتمعات عربية تعاني من "عتمات" مشهدية كثيرة. وخصوصاً كما ترى الدكتورة فهمية شرف الدين "طبيعة الحوار الجنسي الذي يفتقده المسلسل العرباوي يتناقض مع مبادئ المجتمع العربي وقيمه وأفكاره". لافتة في الوقت نفسه الى أن المسلسلات التركية "قد وجدت طريقها ممهدة الى المشاهد العربي لغياب الدراما العربية المميزة، التي فرضت وجودها في بدايات الألفية الثالثة، بصرياً وتقنياً وتصويراً وإخراجاً، الأمر الذي بتنا نفتقده اليوم. على الرغم من خلو هذه الصورة الحلوة من مضمون حقيقي على أزمات وقضايا يعاني منها الإنسان العربي معيشياً ووطنياً وقومياً".