رحل نابليون عمان ....
نابلس (شبكة راية الإعلامية )- رشا سلامه:
يحدث أن تتغلب على خذلانك بالانطواء أو الدمع أو الانصراف إلى طرفيّ نقيض: العاطفة الجياشة أو العدوانية المفرطة، غير أن ما قد يُعدّ غريبا أن تحتمي من خذلانك بالكتاب، دونما انقطاع. ولعل الأغرب أن يغدو احتماءك ذاك رحلة تيه في الطُرقات العامة لما يُقارب العقدين.
الحكاية الآنفة، ليست فيلما أو ضربا من الحكايات الشعبية الرائجة..
نبيل عبدالله حساين ما يزال، منذ عُمر خذلانه، يجوب طُرقات وسط البلد، بشعره الشائب دونما تهذيب ولحيته البيضاء الكثة وجلابيّته الرثة ونعاله المهترئ، ممسكا كتابه دونما تفريط به ولو للحظات.
يعرفه تجّار وروّاد المنطقة وتحديدا أولئك القابعين عند المدرج الروماني، بيد أن رحلة البحث عنه قد تستلزم أياما من الترصّد؛ ذلك أنه لا يستقر في مكان واحد أثناء استغراقه بالقراءة.
حين تقترب منه للحديث معه، لا يبدي قلقه ولا حتى تحفّظه، بل هو يدعوك لمرافقته في جولته، مقدما لك كتابه؛ لتتصفحه.
بعربية فصيحة يجيب عند سؤاله عن حكايته "لا سكن لي. أنام في الشوارع. كان لي بيت ولي أملاك، لكن في قلقيلية وأنا ممنوع من الذهاب لها. الكل يمنعني. هنا يمنعونني وهناك وعائلتي أيضا".
كثيرون هم من تطوّعوا، عند سؤالهم أثناء البحث عن نبيل، لتقديم روايات عدة عنه. البعض يقول بأنه طبيب أصيب بصدمة ما أثناء عمله فالتجأ بعدها للكتاب والطُرقات، فيما بعض آخر يقول بأنه تعرّض للتعذيب على أيدي جنود الاحتلال وبأن الحالة الآنفة قد تلبّسته منذ تم إبعاده عن قلقيلية بالقوة.
نبيل لا يقدم جوابا شافيا عن شيء. يكتفي بالحديث عن كتبه عند التطرق لألمه. يقول "معي ثانوية عامة. وأكثر كتاب أحبه القرآن الكريم. وأقرأ في الجغرافيا واللغة العربية والمعاجم".
يُمضي نبيل، المولود في العام 1961، يومين على الأكثر للفراغ من كتابه مهما كان ضخما، كما يقول، معقّبا "هناك شخص يعطيني يوميا خمسة دنانير. أشتري بجزء منها كتبا من مكتبات وسط البلد، أو أستأجر بعضها، بحسب حالتي المادية".
يعود للحديث في النقطة ذاتها، قائلا "أملاكي ومالي كثير في قلقيلية. لكن هذا الشخص الذي أعرفه يعطيني من مالي الكثير فقط خمسة دنانير حتى أعيش".
لا يعجبه حال الثقافة المتردي لدى الناس. يبرر لهم بقوله "كان الله في عونهم. لديهم انشغالاتهم. لكن سيحتاجون أعواما كثيرة حتى يصبحوا مثقفين".
نبيل، الذي لا ينفك يستشهد بآراء سيد قطب، يقول بأن الكتاب، وخصوصا القرآن الكريم، لم يخذله، حين تخلّى عنه الجميع، وحين حاول البعض زجّه في السجن أو المصحة النفسية، كما يقول.
يضيف "لست متزوجا؛ لذا لا أولاد ليسألوا عني، وعائلتي كلها تخلّت عني. حتى صحتي تخلّت عني؛ فأنا مصاب بسرطان رئة. فقط الكتاب هو من بقي معي".
حين تودّع نبيل، بعد أن يبدأ في التململ من الحديث، سيكون سؤال: إلى متى؟ هو الأكثر إلحاحا في ذهنك. وكأنما هو يقرأه، فيجيب عنه دونما سؤال: "سأبقى أقرأ الكتب في الشوارع حتى….. أعود إلى قلقيلية" !