التأمين المجاني.. ضرورة المراجعة

2011-02-12 11:44:00
رايه نيوز: منذ عشر سنوات أو ما يزيد استحدث الرئيس الراحل ياسر عرفات قراراً، سمح بموجبه بتغطية تكاليف التأمين الصحي لعشرات آلاف المواطنين، وذلك بسبب الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد مع بداية الانتفاضة. وكلفت عدة جهات أهلية بمتابعة الأمر، ومن بين هذه المؤسسات النقابات العمالية، بما فيها الإسلامية، والتي أوكلت لها مسؤولية العمال، واتحادات الفلاحين التي أوكلت لها متابعة تأمين المزارعين، باعتبارهم من المتضررين. واستمر العمل بهذا النظام حتى نهاية العام الماضي، حين أصدر وزير الصحة قراراً يقضي بوقف العمل بهذا النظام.
خطوة جريئة من وجهة نظر الكثيرين، ولكن ينقصها الدراسة، وبذلك فإن التسليم بقرار الوزير يحتمل الكثير من الاحتمالات فيمكن القبول به ويصبح واقعاً، وعندها يقال إن القرار كان صائباً. ويحتمل التراجع عنه تحت طائلة الضغط الجماهيري، ويقال عندها إن الوزارة استجابت لمطالب العمال والنقابات. ومهما يكن فلا بد من قراءة حقيقية لموضوع التأمين الصحي المجاني، ولا بد من مراجعة منطقية لقرار الوزير، الذي تراجع عنه قبل أيام قليلة.
أولاَ، أن إقرار التأمين الصحي المجاني جاء في وقت استثنائي، وكان يصدر لفترات قصيرة، أحياناً عدة شهور، ونادراً ما يصدر لعام كامل. وأرى أن الحكمة من ذلك كانت أن الإعفاء مقرون بالوضع السياسي العام، وتأثير هذا الوضع على دخل المواطنين، وهذا أمر منطقي. ومن هنا فإنه من غير المعقول أن يتم تكريس هذا التأمين واعتباره مكسبا لكل من حصل عليه في ظرف معين.
بعد مرور عشر سنوات على بداية العمل بنظام التأمين الصحي المجاني، كان لزاماً على المؤسسات الفلسطينية الرسمية وضع خطط وآليات تحكم عمل هذا التأمين، حيث إنه في الوقت الذي لا بد فيه من استمرار العمل به لاستمرار الظروف السياسية، فإن كثيرين من المنتفعين من هذا التأمين لا تنطبق عليهم الشروط التي تحكم هذا النظام.
هنا سأتطرق لمعلومة عرفتها بخصوص محافظة جنين، وهي أن عدد المستفيدين من التأمين المجاني بلغ في العام الماضي ثلاثة عشر ألف عائلة، وهذا رقم كبير ومبالغ فيه. والغريب في الأمر أن كل مستفيد من التأمين المجاني مطالب بإثبات يؤكد أنه عاطل عن العمل، أو أن دخله الشهري يقل عن ألف وخمسمئة شيقل. والجهة المخولة بإعطاء هذا الإثبات هي وزارة العمل، وبعدها تتولى نقابة العمال فتح ملف للمؤمن، بالتعاون مع دائرة التأمين الصحي. وهنا أجزم أن نسبة كبيرة من المستفيدين لا تنطبق عليهم الشروط، والسؤال: هل عملت الجهات المختصة، أقصد وزارة العمل، ووزارة الصحة، والنقابات، على دراسة دورية لأوضاع المستفيدين؟ هل سبق أن سجلت وزارة الصحة ملاحظات على أداء الآخرين، وهنا أقصد وزارة العمل ونقابات العمال؟
الجواب الفوري نعم، إن وزارة الصحة لديها الكثير من الملاحظات. ويضيف آخر إنه وبناء على هذه الملاحظات صدر قرار وزير الصحة بوقف العمل بنظام التأمين المجاني. وهنا أجزم أن هذا القرار ارتجالي، ويستند لتقديرات شخصية لا تمت للدراسة العملية بصلة، وإن كانت مدروسة، فإن القرار لا ينم عن عقلية منظمة تعمل بروح الفريق. موقفي هذا يستند لفرضية، أتمنى أن يسمعها المسؤولون، وهي انه كان حريا بنا أن تجلس الأطراف ذات العلاقة، ويقدم كل ملاحظاته على الموضوع، ويصار لتحسين الأداء، وليس وقف العمل بالنظام، والعودة له من جديد. ولو كنا ندرس لما وصل عدد المستفيدين من التأمين المجاني هذا الرقم ولكان بالإمكان تقليص العدد بصورة يمكن معها الاستمرار بنفس النظام، وتوفير العلاج للفقراء، باعتبار أن أبسط حقوق الناس الحق في العلاج، وهذه مسؤولية الدولة ومؤسساتها. ولأن هذا وذاك لم يحصل فانني أصر على أن ما صدر من قرار كان ارتجاليا.
وبعد أن عادت وزارة الصحة عن قرارها، وأعادت تفعيل العمل بنظام التأمين الصحي أتمنى أن يتم تشكيل لجنة حقيقية لمتابعة الملف، ويمكن الاستفادة من باحثي وزارة الشؤون الاجتماعية، والتعاون مع الهيئات المحلية، حيث إن كثيرين من العاملين في قطاعات غير حكومية يتحايلون على القانون، ويحصلون على ورقة عاطل عن العمل من قبل وزارة العمل، وذلك نظراً لأن العامل يعمل بصورة غير منظمة، ولا يمكن لوزارة العمل التأكد من مصداقية إدعائه، إلا بإثبات من الهيئة المحلية، وهنا يتم مراجعة الهيئات المحلية في حال ثبت عكس ما تدعي.
في كل الاحوال المطلوب إعادة النظر ببرنامج التأمين المجاني، حيث إن وقف العمل به يلحق الاذى بالكثيرين من أبناء هذا البلد، ولكن استمرار الحالة السابقة لا يقل خطورة عن وقف العمل به. والحديث عن استمرار الخلل، ووجود الثغرات لا يليق بسلطة وطنية تدعي أنها تعد مؤسسات دولة مستقلة. هذه صرخة بوجه الجميع، لنتخلى عن سياسة المجاملة في إدارة المال العام، مع مراعاة احتياجات الفقراء من أبنائنا، وهذا أمر لا يحتاج الكثير من الفلسفة.