ناظم قواعد لعبتنا وضمانة السلام والرهان
نعم، نحن جزء مكون لخارطة الشرق الأوسط القديم والجديد، ومصالحنا جزءٌ لا ينفصل عن مصالحه ولا عن المصالح الدولية في المنطقة والعالم. فنحن الذين حلمنا بالأمس، أن العراق سيغير خارطة العالم فطحنا وطاح الحلم من عليائه ودُمّر العراق حاضراً ومقدماً لعشرات السنين المقبلة فتغيّرت خرائط وجوهنا ولم نغيّر خارطة العالم.
يجب أن نتكيّف مع هذه الحقيقة، وأن ننظر لمصالحنا غير بعيدين عن الأخذ في الاعتبار مصالح الآخرين التي تشكل مصالحنا جزءاً مكوناً ومتمّماً لها كمنظومة كاملة، فهذه الحقيقة ليست عابرة وتغييرها يتطلب تغيير المعادلة الدولية ذات القطب الوحيد.
إن ما يحققه أبناء مصر اليوم من ثورة على الظلم والفساد، يمكن أن تتأتى عنه مكاسب مطلبية وإصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية مهمة، ستُسهم في قطع دابر الفساد والفاسدين، ويُعيد انتشارهم أو إقصاءهم عن السياسة، الأمر الذي سيُسهم بالتأكيد في إعلاء شأن مصر ورفعتها، إلا أن مكانة مصر ودورها في المعادلة الدولية ومعادلة المنطقة لن تخرج بعيداً عن السقف الدولي لرؤية المنطقة، آخذين في الاعتبار حجم مصر وقدرتها على التأثير والفعل وحقيقة أنها هي مفتاح الحل والربط في الشرق الأوسط عموماً وفلسطين بخاصة.
وفي مطلق الأحوال لا يمكن لأية حالة فوضى أن تكون في مصلحة مصر شعباً أو حكومة أو مكانة ولا في مصلحة السياسة الدولية عموماً التي نحن جزء منها، القضية ليست قضية شخص الرئيس أو من سيخلفه على أهمية ذلك بل هي قضية صياغة جديدة ومتجددة لمصر بكل المعاني والدلالات، وفي هذا انتصار حقيقي لثورة شعبية. وبالتالي ما يجري ليس مجرد ثورة قامت في بلد بحد ذاته بل هي جزء من سلسلة متواصلة ستطال كل المنطقة بعد أن أصبحت كل النظم الحاكمة بحاجة لإعادة صياغة وترشيق وتشبيب وتطهير أي كما يقولون "كاس على كل الناس" لا محالة.
ما يجري اليوم أشبه بالذي جرى في العام 89 من القرن الماضي، حين هبَّت رياح التغيير على أوروبا الشرقية، فكان أن سقطت النظم الحاكمة فانهار المعسكر الاشتراكي وتفكّك وتشظّى الاتحاد السوفييتي بلمح البصر ومن حيث لا ندري ولا نحتسب. الأمر الذي أدى لغياب قطب التوازن الرئيسي بكامل عدّته وعتاده وأيديولوجيته، وظل البقاء لله وللنظام العالمي الجديد برأس واحد وقطب وحيد تتزعمه الولايات المتحدة، وبالتالي ظهرت نظريات العولمة والحداثة والدعوة لصياغة شرق أوسط جديد مع القطب الأميركي الجديد الذي يُبدئ ويُعيد بعدما فلَّ الحديد باللاحديد ـ كما أن ما يجري في مصر والعالم العربي اليوم، هي رياح من ذات الطراز نحو تغيير وتحديث أصبح استحقاقاً وضرورة في واقع الأنظمة العربية لا سيّما بعدما انهار وانتهى النظام العربي الرسمي منذ زمن، ومع ذلك تجري اليوم عملية تغيير لكنها لن تمسّ الجوهر الاستراتيجي لمصالح النظام العالمي الذي يقود المنطقة وسياساتها وتوجّهاتها.
وبذات القدر من الدقّة والحساسية والمسؤولية التي لا بدّ من التحلّي بها عند تحديد موطئ قدم المصالح الوطنية ومسافة البعد والقرب بينها وبين المصالح الدولية التي تحكم سقف المنطقة، فإنّ المرحلة التي تمرّ بها مصر اليوم من الخطورة والدقة ما يضع مصر بكامل كينونتها على حدّ السيف وشفير الهاوية التي لا تُحمد عُقباها ولا مآلاتها ما لم تحسن جميع الأطراف والمفاعيل السياسية المحركة للثورة التصرّف والتعقّل والتوازن في اتخاذ المواقف الحاسمة .
فلا تذهبوا بمصر بعيداً دون حفاظ على مسافات الأمان، لأن الثورة نصرَة والأعداء في الخسارة، والعجَلة مقتل الفتى، وحتى لا يذهب حصاد الثورة الثمين للأعداء والمتربصين ـ فالرئيس رحل ومصر هي الأبقى والباقية وعليها ستتوقف قواعد ترتيبات إقليمية جديدة، لأنها صمّام الأمان والرهان والضابط الرئيسي لقواعد لعبتنا مع الآخرين.لا تقلقوا فهذا الشرق الأوسط الجديد الذي نبّئنا عنه يتشكّل.