ملاحظات حول حالة الجدل في صفوف "حماس"
بداية نؤكد انه لا يوجد وطني يرتاح او يفرح لأي سوء يصيب حركة حماس.
لأنه لا احد وطنياً لا يعرف دور "حماس" في النضال الوطني وثقلها فيه، ولا في الواقع السياسي الفلسطيني الحالي كونها احد قطبين تتمحور حولهما الساحة الوطنية الفلسطينية، الى جانب حركة فتح . وبالتالي فان الكل الوطني شديد الحرص على "حماس" ودورها النضالي ووحدة موقفها وتماسك بنيانها .
ويزداد ذلك الحرص الآن بعد توقيع اتفاق المصالحة والآمال المعقودة عليه .
ذلك لا يلغي ولا يتعارض مع حقيقة ان الكثير من الوطنيين يختلفون مع كثير من مواقف وسياسات وممارسات "حماس" .
المقتطف أعلاه ذو دلالة واضحة على حالة الجدل " الحامي " الذي تعيشه "حماس" . وهناك العشرات من التعليقات المشابهة، وبعضها أكثر حدة .
وحالة الجدل هذه لم تعد محصورة في اطر "حماس" بل خرجت الى العلن عن طريق تصريحات ولقاءات صحافية لقادة من "حماس" : الزهار (أكثر من مرة ) ، الرشق ، البردويل ، إضافة الى قيادة "حماس" نفسها . ومقالات صحافية لعدد من المحسوبين تاريخياً على "حماس" وفي أولهم إبراهيم حمامي في لندن وياسر الزعاترة في الأردن، ثم عشرات، وربما مئات، من تعليقات القراء على تلك التصريحات واللقاءات والمقالات . خصوصاً وانه واضح تماماً ان الغالبية الكبرى من التعليقات هي لأعضاء من "حماس" او مناصرين لها .
ان الجدل الحامي القائم حالياً لا يقتصر على حديث السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ "حماس" "عن استعداد حماس لمنح المفاوضات مع اسرائيل مهلة جديدة رغم فشلها على مدى عشرين عاماً " . ثم رد الزهار بكلام صريح ومباشر ان "هذا الكلام لم نتفق عليه وفوجئنا به، والمفاوضات ليس لها مظلة من حماس " ، وهو لا يرتكز عليه . ولم يفعل ذلك الحديث لمشعل اكثر من رفع الغطاء عن قدر ماء يغلي .
فليس جديداً على "حماس" خروج تصريحات، وحول امور اكثر اهمية، من احد قادتها يتم معارضتها من قائد آخر او يتم تجاوزها.
وليس جديداً على "حماس" ايضاً الموافقة على ان تواصل منظمة التحرير التفاوض مع اسرائيل . جاء ذلك في موافقتها الرسمية على وثيقة الوفاق الوطني او ما عرف بوثيقة الاسرى، كما جاء ذلك في اتفاق مكة الذي وقعته مع حركة فتح .
ان جوهر الخلاف كما يتضح من حالة الجدل الحامي هو التباين في الرؤى والمواقف حول " الحياة الداخلية " في الحركة بشكل عام وفي المقدمة منها مركز القرار وجهة اتخاذ القرار وآلية اتخاذ القرار، وجدلية الداخل والخارج وغزة والضفة .
فالزهار مثلا وكما يكتب الزعاترة " كلام الزهار في الغرف المغلقة والذي انتقل الى العلن يشير الى استخفاف واضح بدور الخارج في ماضيها وحاضرها ومستقبلها (حركة حماس) ، فضلا عن انه يتعامل مع الضفة الغربية كما لو كانت مدينة تابعة".
كما ان حالة الجدل الحامية تتسع لتصل الى التعريض بالمكتب السياسي في الخارج وحياة الرفاه التي يعيشها اعضاؤه في الفنادق والفلل، كما يشير المقتطف، والى ضعف او انتفاء التجربة الجهادية لأعضائه كما يشير الزهار نفسه وكثير من تعليقات القراء، وانهم " ليس لهم اي تاريخ في خدمة "حماس" ولا في خدمة فلسطين" . كما تصل الى التعريض بشخص مشعل وتمسكه بالكرسي مثل الانظمة العربية والتساؤل متى و لماذا لا يتم تغييره، والى ان الزهار أحق من مشعل في قيادة الحركة .
واللافت ان تعليقات القراء تذهب في غالبيتها لصالح تأييد الزهار، ليس فقط في موقفه من حديث مشعل، بل بالانحياز الى شخصه وتاريخه ومواقفه وبشكل متعصب، حيث يصل احدهم الى القول
" نحن معك يا زهار حتى الموت ".
ايضاً، ان حالة الجدل الحامي تتناول بالنقد الصريح، وان كان بشكل محدود، لممارسات "حماس" في السلطة لجهة الفساد وتحقيق عدد من رموزها مكاسب وامتيازات شخصية، كما تتناول وبشكل خجول نقد عدد من مواقفها الاساسية مثل المشاركة في انتخابات 2006 والقبول بدولة على حدود 67 والحسم (الانقلاب) في غزة وقبول مبدأ الاستفتاء الشعبي في حال الوصول الى اي صيغة مع اسرائيل " فلا استفتاء على الثوابت " .
الصورة الإجمالية، ان هناك حالة جدل "حامي" في صفوف "حماس" لا تنحصر في أطرها القيادية ولا تقتصر على حديث محدد لرئيس مكتبها السياسي .
والسؤال، هل كان لاتفاق المصالحة وما سبقه من لقاءات ومباحثات، وما يجب ان يلحقه من ترتيبات وتشكيلات وطنية يفترض ان تحدث تغييرات جذرية عل صورة الواقع الحالي وتشكيلاته، هل كان له تأثير على تبلور حالة الجدل الحامي هذه، او إخراجها الى العلن بهذه الطريقة المثيرة للتخوف ؟
في التقدير انه لا يمكن استبعاد هذا التأثير.
والخشية ان يكون ذلك التأثير سلبياً، او حتى معرقلاً ومعيقاً لجهة التسارع الزمني .
فبقدر ما تعنينا "حماس"، فانه يعنينا وبشكل اكبر، نجاح اتفاق المصالحة وترسخه وسرعة انجاز متطلباته وترتيباته.