اللغة السفارينية

2011-06-16 12:43:00
بدا أن فلسطينيي المنشأ، من مخبري الأمن الأسدي (لا السوري، بالطبع) قد بلغوا من علوْ الشأن، مراتب غير مسبوقة في تاريخ العسس والوشاية الرخيصة، ضد عباد الله الآمنين في مخيم اليرموك وسواه. فقد كتب واحد من هؤلاء، بتوقيع السفاريني، مهاجماً الكتاب الذين أدمت قلوبهم الأحداث في سورية عموماً، وأفجعهم ما فعلته جماعة جبريل في المخيم، فجعل لهجوماته سياقاً كاريكاتوريا، موحياً بادعاء الدراية بتاريخ وتجربة كل كاتب، في اختزال عسسي ووشائي لأسماء الكتاب ومنهم مناضلون وأسرى سابقون وجرحى، وكأن الواحد منهم، في اللغة السفارينية، سهلاً فتياً لا رحاح ولا جاء، أو في سن إبنتنا المدونة الآنسة طل الملوحي، التي اختزلتها مخابرات النظام الغارق في دم الناس، بكلمة جاسوسة رقيعة، وفاعلة تاركة!

وإن كنا طبعاً، لا نكترث لثانية واحدة، بتخرصات وخربشات هؤلاء الصغار، الذين لا يتحصلون في أعز أحلام يقظتهم أو نومهم، على لقطة أو لحظة من أيام صمودنا وصبرنا وزهدنا في ميدان الحرب وفي السجون، أو في سياق النضال أينما وكيفما كنا وكان؛ فإنني انزعجت من الطريقة التي وصفوا بها أبناءنا في اليرموك، وبخاصة وهم يصنّفونهم ضمن فئات. ويبدو أن تلك التصنيفات، جاءتهم مطبوعة ومبوبّة، من المخابرات السورية، فأحالوها 'فوروارد' كما هي، وبعضها يلائم دمشق ولا يلائم اسكندنافيا حيث مركز توزيعها، ولم يكن لديهم الوقت لتسييلها في إطار نص يوحي وكأنه من استخلاصات التقصي الشخصي المحايد لملابسات الجريمة التي اقترفتها عناصر أحمد جبريل في مخيم اليرموك!

* * *

تعميماً للفائدة، ولكي يتعرف قارئي على ما أتحفتنا به اللغة السفارينية، فإنني أنقل الوصف العسسي للقوة الكامنة وراء ما يُسمى بـ 'الفتنة' في مخيم اليرموك، وهي تتشكل من: ]مجموعات شبابية فلسطينية محتقنة (مجموعة الحراك ومجموعة شباب الائتلاف) وغالبها تم تضليله (الضحك عليه) من قبل المحرضين. ومجموعات سورية يهمها زج الفلسطينيين في الوضع السوري، وقد دخلت من بين الفجوات ولعبت دوراً أساسياً في حرق السيارات وتوريد اسطوانات الغاز، وقنابل المازوت والبنزين إلى جانب مقر 'الخالصة'، ومجموعات سورية من حي القدم والعسالي، ومنها من مناطق مختلفة حتى من مدينة حماه، ومن داريا والمعضمية ودوما. ومجموعة سورية من منطقة العسالي القريبة من الحجر السود يتزعمها شرير وقاتل وأزعر وحبحبجي اسمه 'الصاروخ'. ومجموعة صغيرة (عدة أفراد) كانت مهمتها استخدام القنص ببنادق صغيرة عند مشحم عامر وفوق مكاتب السيارات. ومجموعات فلسطينية وهي الأساس في الفتنة، تتبع أجهزة تنظيم لفتح موجودة خارج سوريا في لبنان وغير لبنان، وتتزود بالمال والتحريض، وهي مجموعات حاقدة، غير متعلمة، جاهلة، لاتفقه في السياسة، وتضم صفوة من الزعران والبلطجية والقتلة والحشاشين وحتى أصحاب الأبر والحبوب المهلوسة والحبحبجية، وقد شكلت القوة الضاربة التي نفذت الهجوم على الخالصة وقد جرت وراءها باقي المجوعات وخاصة المجموعات السورية، وقد ردد أعضاء تلك المجموعات ومن بينهم (سعيد أ ، أبو مح ....) أقوال من نوع (سنصفي حسابنا القديم مع القيادة العامة منذ عام 1983)، و (سنسبي نساء حماس ونهاجم مقراتها في وقت ثان كما هاجمونا في ...) الخ. وكان هناك تفاوت في دور بعض أعضاء تنظيم فتح بين منسحب عاد بعد تشييع الشهداء إلى بيته وهم قلة، وبين من وقف ليرى المشهد وهو منشرح وشامت ومنهم (....) ومن قام بالتحريض بين المتجمهرين ودفع بالشباب الصغار وهم الأغلب[.

* * *

نحن هنا، بصدد تقرير أمني انبعث من أقبية النظام الأسدي، وهو يتوخى الفتنة بين الفلسطينيين ولم يتنبه المروجون لفحواه، الى اهتراء وانتهاء صلاحية الصيغ التي ما تزال معتمدة، لتلفيق الآثام للناس ولحركة فتح. صحيح إنها صيغ أحيت النظام السوري حتى العام 2011 لكنها اليوم باتت مبعث تندّر وسخرية السوريين والفلسطنينيين والعرب. فليس هناك من يتقبل رسم صورة حبحبجية (منسوبة الى حبوب الهلوسة) لجماهير شعبنا في مخيم اليرموك، ولا من يكترث بمهاجمة الكتّاب الفلسطينيين المحزونين لما يحدث لشعبنا العربي السوري وللجماهير الفلسطينية، ولا شىء سوى الشعور بالاحتقار، لكل من يسعى الى إحالتة المناضلين والمثقفين، بقاماتهم الطويلة، الى منطق التتبيع لهذا أو ذلك، على طريقة تحديد فصيلة الدم مثلما تعودوا تحت الحكم المستبد. فهذا مخبر وتابع لفلان وهذا مرتزق عند علتان وهذا طبل أجوف. هكذا مثلما يفعل الأمن المتورط مع كل آثام الحياة، فيرتجل التهمة بسخافة مثير للسخرية، دون أن يهمه معرفة علاقة البشر بالثقافة وبالكرامة وبالمال أو بالمزايا الشخصية. في السابق، كان ذلك يسري قليلاً في الوعي الجمعي للناس محمولاً على أجنحة الإشاعة المدسوسة بينهم. أما اليوم، فإن كلام العسس باللغة الحبحبجية السفارينية، لا ينطلي على الأطفال، ناهيك عن كون النصوص الركيكة التي تستند اليها هكذا تفوهات، منشورة على الانترنت وفي متناول الناشئة، وحيثما يمكن لأي كان أن يقول أي شيء عن أي إنسان.

العز لشعبنا أينما كان. العزاء والمساندة لأهلنا الأحباب في مخيم اليرموك. المجد للوطنييين الموالين لفلسطين ولشعبها ولقضيتها، ثم نقطة على السطر.

لا نحبذ أن ينخرط الفلسطينيون في ثورة السوريين على آخر أنظمة الظلام والبطش والنهب والفساد والدجل في العالم. ينبغي أن نتحاشى تحميلنا أسباب ثورة انفجرت لعوامل موضوعية تراكمت عبر عقود، مثلما حاول ناطقون باسم النظام، الإيحاء للسوريين وللإسرائيليين، مع اندلاع الشرارة الأولى.

أما ممتشقو اللغة الحبحبجية السفارينية، فنطمئنهم الى أن أعز ما يُطربنا، هو وصفهم لنا بكل ما في جعبة أسيادهم من عسس النظام السوري، مضافاً اليها التهم التي ألصقت بإبنتنا طل الملوحي. نحن على يقين، إن قال هؤلاء عنا، بأننا من ناكحي البهيمة، سيتأكد الناس تلقائياً من العكس، وهو أننا عباده الطاهرين، الذين يتلون دعاء النكاح قبل المضاجعة بالحلال: 'اللهم إني اسألك من خيرها وخير ما جُبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جُبلت عليه'!