لا فرق بين المبادرة الفرنسية وحل أوباما!

2011-06-18 08:37:00
تعودنا من المسؤولين الغربيين، وفي ما يتعلق بالتسوية في الشرق الأوسط، أن يقولوا كلاماً جميلاً في البداية، فيه بعض من الإنصاف للحقوق الوطنية الفلسطينية، وذلك بهدف استدراج الجانب الفلسطيني للعودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، وبعد (إنجاز) هذه الخطوة، يتراجع المسؤولون عن وعودهم السابقة، ويصطفّون بالكامل إلى المطالب الإسرائيلية، أو رؤية الدولة الصهيونية للحل.

بالطبع يعود ذلك إلى أسباب كثيرة، لعل من أهمها: الضغوطات الخارجية والداخلية التي تُمارس عليهم من إسرائيل واللوبي الصهيوني، والتيار الصهيو- مسيحي، وأصدقاء إسرائيل على الساحة الدولية، وفي البلدان التي يحكمها هؤلاء بشكل أساسي. هكذا كان أوباما الذي تراجع عن كل وعوده، ومن قبله أيضاً كان كلينتون، وجورج بوش الابن. هذه الأيام فإن ما اصطلح على تسميته (بالمبادرة الفرنسية التي تنطلق من عودة المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية على أساس دولة للفلسطينيين على حدود 4 حزيران/يونيو 1967، وإخضاع القضايا المختلف عليها كاللاجئين والقدس وغيرهما إلى التفاوض بين الجانبين، وعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في باريس، يحضره الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني، إضافة إلى الأطراف الدولية. هذا هو ملخص المبادرة الفرنسية كما أعلنه ساركوزي في تصريحاته المتعددة حول الشرق الأوسط. وكذلك ألان جوبيه وزير الخارجية، خاصة تصريحاته في زيارته الأخيرة إلى الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون اعترضت على بعض نقاط المبادرة الفرنسية، وبذلك تم إحباط المبادرة في مهدها. هذا الأمر لم يُثن فرنسا عن المُضّي بمبادرتها وفقاً لتصريحات جوبيه في المقر الدائم للأمم المتحدة بعد زيارته الشرق أوسطية.

من جانبٍ ثان فإن الرئيس أوباما وفي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في البيت الأبيض، في زيارتها الأخيرة للولايات المتحدة، أعلن أن ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة لإعلان دولة فلسطينية أحادية الجانب لا يتفق والمبادئ التي وضعتها (الرئيس أوباما بنفسه)، واستطرد قائلاً: شكرت المستشارة لدعمها للمبادئ التي أعلنتها للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

من الجدير ذكره القول بأن فرنسا لمحت مراراً من خلال الرئيس ساركوزي في مقابلة له مع مجلة 'إكسبرس' الفرنسية الأسبوعية، ومن خلال المندوب الفرنسي في الأمم المتحدة إلى: إمكانية اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في الخريف المقبل (في الأمم المتحدة) مؤكداً أنها ستتحمل مسؤوليتها إذا لم تُستأنف عملية السلام بين الجانبين حتى ذلك الموعد.
ربما هذا الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية إذا ما تم، يشكل نقطة الافتراق الوحيدة بين الموقفين الأمريكي والفرنسي، في ما يتعلق بالتسوية في الشرق الأوسط، فمن المعروف أن الإدارة الأمريكية تعارض تماماً طرح هذا الموضوع في الأمم المتحدة.

من زاوية أخرى، لمحت باريس مراراً، كما عكست ذلك معظم الصحف الفرنسية، إلى أن مبادرتها تهدف إلى قطع الطريق على طرح الجانب الفلسطيني، الاعتراف بالدولة الفلسطينية العتيدة في أيلول/سبتمبر القادم، من خلال عودة المفاوضات

الإسرائيلية - الفلسطينية. صحيح أن باريس في مبادرتها للحل أبقت موضوع الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، عائماً، لكنها لن تتجاهل المطالب الإسرائيلية بتعديل الحدود، ذلك يعود إلى الموقف الفرنسي من القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل من أراض (وليس من الأراضي) فلسطينية احتلتها عام 1967، آنذاك وحين صدور القرار في المنظمة الدولية أُثيرت الفروقات بين النسخة العربية للقرار وتحديداً يقول (الانسحاب من الأراضي) والنسخة باللغات الأخرى الذي جاء (الانسحاب من أراضٍ) وتصاعد الجدل كثيراً آنذاك بين الوفود العربية، وتفسير الولايات المتحدة للقرار، ومعها وقفت كل من بريطانيا وفرنسا بالطبع. المقصود القول ان باريس تعترف بما تطالب به إسرائيل من تعديل للحدود، والتعديلات التي تطلبها إسرائيل كثيرة (مثل شهيتها لاحتلال الأراضي العربية) فهي التعديلات التي تُبقي على

المستوطنات والمستوطنين، والطرق الالتفافية والجدار العازل في الضفة الغربية، أي أن الدولة الفلسطينية ستقام على أقل من 30' من مساحة الضفة الغربية، بالإضافة إلى قطاع غزة، ودولة بكانتونات متفرقة مقطعة الأوصال. بالطبع ليس هدف إسرائيل من التعديلات ما تدعّيه، المحافظة على الأمن وعدم القدرة على حماية تلك الحدود، فالصواريخ الحديثة قريبة وبعيدة المدى قادرة على الوصول الى أية نقطة فيها، الهدف الحقيقي للدولة الصهيونية، هو التخلص من الكثافة السكانية العربية الكبيرة في منطقة المثلث في أراضــي 1948 في سبيل نقاء دولتها اليهودية.

لقد صرح نتنياهو في المؤتمر الصحافي الذي عقده في الإليزيه، بعد مباحثاته مع الرئيس ساركوزي في جولته الأخيرة لكل من فرنسا وبريطانيا، بأن الرئيس الفرنسي اعترف بيهودية دولة إسرائيل وتفهم المطلب الإسرائيلي بضرورة اعتراف الفلسطينيين والعرب بيهودية إسرائيل قبل إنجاز التسوية، الإليزية لم يُنكر ما صرّح به نتنياهو.

ما نقوله، ان الاعتراف الفرنسي بيهودية الدولة الصهيونية هو قطع الطريق على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194، الأمر الذي يشي بأن ما جاء في المبادرة الفرنسية من إخضاع قضايا الخلاف بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني كحق العودة والقدس (التي لن تكون أفضل حالاً من موضوع اللاجئين) للمفاوضات بينهما، وهذه قضايا تم حسمها اسرائيليا.

يبقى القول ان الرئيس أوباما (ومبادئه) للحل معروفة تماماً، فهو أعلنها في خطابيه الأخيرين في الكونغرس وفي مؤتمر الايباك، ضرورة تعديل حدود عام 1967، مراعاة التغييرات الديموغرافية الجديدة في الضفة الغربية (أي الابقاء على المستوطنات). الدولة الفلسطينية تكون منزوعة السلاح لا عودة مطلقاً للاجئين الفلسطينيين، تفهم المطالب الأمنية الإسرائيلية وتداعياتها. الانزعاج الكبير من المصالحة بين حركتي فتح وحماس، أي عملياً نصّب من نفسه، ناطقاً رسمياً باسم نتنياهو وإسرائيل.


فما هي أوجه الاختلاف بين المبادرة الفرنسية ومبادئ أوباما للحل؟
* كاتب فلسطيني