هل «أَفَل» نجم.. سلام فياض؟
وأياً كانت اهداف الذين سرّبوا خبر «استبعاد» فياض, فإن من المبكر نعي هذا الرجل الذي ظهر فجأة (قبل تسع سنوات) في المشهد الوطني الفلسطيني وتوفر على دعم اقليمي ودولي, حتى بات رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية لم تستطع شخصية في حجم ومكانة ونفوذ ياسر عرفات رفضه أو تحجيمه, بعد أن أخذ أو انتزع (لا فرق) الرجل لنفسه, صلاحيات واسعة أفقية وعامودية, باتت تشكل قيداً ثقيلاً على زعيم منظمة التحرير ورئيس السلطة «المنتخب», الذي دأب على الاستحواذ على كل شيء, بدءاً بالمال وانتهاء بالتعيينات ودائماً في تقريب فلان أو الطمس على آخر, وكان «المال» هو الوسيلة وهو العقاب, الى أن «جيء» بسلام فياض من صندوق النقد الدولي فاضطر «الرمز» الى الرضوخ, وفيما كان دور عرفات يُحجّم ويتراجع ويفقد السيطرة تدريجياً على حنفية المال أو خزائنه, كان سلام فياض يمسك بالمفتاح تلو الآخر, مترافقة قوته «الصاخبة» مع حملة تلميع واطراء واحتفاء به, كرمز للنقاء والصفاء والصدقية والمهنية والنزاهة والشفافية, على ما ذهبت اليه دوائر اميركية واسرائيلية وأوروبية, في رسالة بالغة الدلالة والايحاء بأنه نقيض للفساد والافساد والتسيّب وغياب ادنى المعايير الصحيحة في ادارة الاموال, التي تأتي من «مانحي» السلطة, وفي الاساس في تمويل الارهاب(...)..
من هنا بدأ فياض رحلته «مع» السلطة أو «الى» قمتها, والفارق كبير في ما نحسب, فهو جاء مع السلطة رقيباً مالياً صارماً بصلاحيات واسعة وبرتبة وزير مالية في حكومة محمود عباس الاولى (بمعنى الاولى في تاريخ السلطة بعد اتفاق اوسلو الذي لم ينص قانونها الاساسي ولا اوسلو على وجود حكومة اصلاً) ثم غدا الرجل شخصية ثابتة في الحكومات المتعاقبة, حتى تم «ترفيعه» الى رتبة رئيس وزراء, رغم انه لم يكن يمثل سوى كتلة برلمانية هزيلة من «اثنين» هو وحنان عشراوي, التي لم تلبث أن ابتعدت عنه أو انشقّت فبقي «نسيج وحده» ولكن قوياً وصاحب دور وحضور, يكاد حتى الان يثير حفيظة «رهط» من قادة حركة فتح, الذين هالهم أن يأتي رجل من خارج «النادي» ليحتل المنصب الثاني الأهم في السلطة (رغم أنها سلطة وهمية في واقع الحال لا تسيطر على ارض ولا تملك قرارها ازاء وحشية الاحتلال وفاشيته).
ولم تنفع احتجاجاتهم لدى عباس ولم تسهم حملاتهم الاعلامية المنظمة والغاضبة في «تشويه» صورة الرجل او دفعه للانزواء والاستقالة بل واصل مشواره بثقة لافتة (اقرأ مستفزة) وارتقى «عتبة» اكثر علواً ووضوحا في برنامجه السياسي الطموح (نحو الرئاسة كما اتهمته قيادات فتحاوية) عندما اعلن صيف العام 2009 عن مشروعه في التأسيس للدولة الفلسطينية العتيدة من الاسفل وصولا لاعلانها في العام 2011 وبات «مشروع فياض» حافلا وتحت الضوء، كما القصف والانتقاد والتخوين، لكنه لم يكترث ايضا وحظي بدعم معلن من محمود عباس كما من الدوائر الاوروبية وبعض اليسار
الاسرائيلي الذي رأى فيه مشروعا ذكيا يضع تبريرات اسرائيل في الزاوية وخاصة تلك التي تقول ان الفلسطينيين غير ناضجين للاستقلال (..).
اكتسب مشروع بناء الدولة الفلسطينية من الاسفل، زخما اعلاميا واسعا ودعما ماليا (ثبت الان انه فقاعة بعد نشر الامم المتحدة تقريرها عن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة في الاراضي المحتلة وان «الازدهار» الذي يتحدثون عنه طال مدينة رام الله فقط) واستفاد ايضا من حال الانقسام الذي ساد طوال السنوات الاربع الماضية ودخول فتح وحماس في حرب مفتوحة بلا
ضوابط او معايير اخلاقية او وطنية او سياسية، في الوقت ذاته الذي واصل فيه فياض اشهار قناعاته السياسية على نحو دفعه للمشاركة في منتدى هرتسليا فيما كان الدم المسفوك في غزة طازجا وتصريحاته التي لا تتوقف عن رفض الارهاب (..) والتغني بنموذج «جنين» الذي لم يعره الاسرائيليون انفسهم أي اهتمام رغم التنسيق الامني المتواصل (والمعلن حتى لا يساء الفهم) بين اجهزة الامن الفلسطينية والاسرائيلية وبقي نموذج «جنين» مجرد اشارة على نجاح مدرسة الجنرال دايتون لا اكثر.
ما علينا
المصالحة تمت أو قُل تم تأطيرها في بروتوكول واحتفال صاخب, في القاهرة, كانت له اصداؤه وتداعياته، وعندما اعلنت مركزية فتح ترشيحها فياض لرئاسة الحكومة الجديدة (في الجلسة التي تم طرد محمد دحلان فيها) ثارت ثائرة حماس وقال احد قادتها (صلاح البردويل) ان الحركة ترفض سلام فياض حتى وزيرا في الحكومة العتيدة وليس فقط رئيسا للوزراء.
الثلاثاء القريب سيكون موعد التوافق (..) على شخصية لترؤس الحكومة وقيل ان عباس ومشعل سيحددان اسم رئيس الوزراء.. ما يعني ان المسألة لم تُحسم بعد, واحسب ان من المبكر جدا «نعي» سلام فياض فثمة هناك من يراقب ويُملي ويحذر ويهدد.. والتجارب السابقة لا تزال ماثلة.
سلام فياض لن يخرج من السباق خاسرا.. من يراهن؟
* كاتب وصحفي من الأردن